هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية.. المودة والرحمة أساس استقرار البيت
الأحد, سبتمبر 6, 2026
الرئيسيةمقالاتهدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية
مقالات

هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية

هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية

 

بقلم: د. عيسى الشاهدي

ترجمة: أحمد شوقي عفيفي

 

على ضفاف البحيرات وشواطئ البرك، تتدلى من سعف النخيل أعشاش طيور الحباك، التي تنسجها الذكور والإناث في براعة فنية بديعة،

مدفوعة بغريزة التكاثر، فتغدو تلك الأعشاش المعلقة تتهادى في مهب الريح، وكأنها لوحات حية نسجتها أنامل الطبيعة.

 

وكذلك الرجل والمرأة، يلتقيان في ربيع الشباب، ويقترن أحدهما بالآخر ليؤسسا معًا عش السكينة، وموطن الطمأنينة، وواحة الأنس التي تسمى الأسرة.

 

ومن رحاب الأسرة توضع اللبنة الأولى في صرح الحضارة الإنسانية. وقد صور القرآن الكريم هذه المرحلة العذبة من حياة الإنسان تصويرًا بديعًا، تتعانق فيه روعة البيان مع عمق المعنى، فقال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[سورة الروم: 21]

 

وفي ضوء هذه الآية الكريمة، يقوم بناء الأسرة، ومن ورائها بناء الحضارة الإنسانية، على ركنين أصيلين: المودة والرحمة.

 

المودة والرحمة.. أساس الحياة الزوجية

 

في عنفوان الشباب وذروة الحيوية، ينجذب الرجل والمرأة أحدهما إلى الآخر، ويكون الحب والمودة من أبرز بواعث هذا الانجذاب.

 

لكن حين يقبل المرض، أو تمتد رحلة العمر إلى الشيخوخة، تخفت بواعث الجسد، وتبقى الرحمة والرأفة والعطف رباطًا وثيقًا يصل بين القلبين، ويشد أحد الزوجين إلى الآخر.

 

وفي الإسلام، حين يعقد الرجل والمرأة ميثاق الزواج، ويشهدان الله على عهدهما، تتنزل على حياتهما هبة من السماء قوامها المودة والرحمة.

 

ومن رحاب هذه الهبة الربانية يولد دفء الأسرة، وينشأ البيت، وتوضع اللبنات الأولى في بناء المجتمع والحضارة الإنسانية.

 

غير أن آفة واحدة قد تتسلل إلى هذا البنيان المتناسق، فتعصف به وتهدم أركانه، وتزلزل الأسرة التي تمثل القاعدة الأولى للعمران الإنساني،

فتتحول الآمال إلى أحلام محطمة، وتتبدد تطلعات المستقبل، وتكتنف حياة الأبناء سحب من الضياع.

 

حين تهتز الثقة بين الزوجين

 

من أبرز المشكلات التي تهدد استقرار الأسرة اهتزاز الثقة بين الزوجين واستبداد الشك والريبة بقلب كل منهما تجاه الآخر.

 

ويرى الكاتب أن العلاقات المحرمة خارج إطار الزواج يمكن أن تكون من أسباب تصدع جسور الثقة، وما يترتب عليها من اضطراب الحياة الزوجية.

 

وقد جاء التحذير القرآني واضحًا من الاقتراب من هذا الطريق، فقال تعالى:

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾

[سورة الإسراء: 32]

 

فالحياة الزوجية لا تقوم فقط على الانجذاب، وإنما تحتاج إلى الأمان والثقة والوفاء، وهي معانٍ لا يمكن أن تستقر في بيت تسيطر عليه الخيانة والشكوك.

 

كيف عالج النبي ﷺ الخلافات الزوجية؟

 

ليس غريبًا أن تعترض الحياة الزوجية سحابة عابرة من الخلاف أو سوء التفاهم أو العتاب والجفاء، فذلك من طبيعة البشر.

 

وقد يرى الزوج في بعض الأحيان عيبًا من عيوب زوجته أو تقصيرًا منها، فيبدو الأمر عظيمًا في عينه حتى يضيق به صدره.

 

لكن القرآن الكريم يفتح أمامه نافذة أخرى للنظر، حتى لا يحصر رؤيته في موضع النقص وحده، فقال تعالى:

 

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

[سورة النساء: 19]

 

وجاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

 

«لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر»

رواه مسلم.

 

وهنا يظهر أحد أهم مبادئ الاستقرار الأسري: ألا يسمح الإنسان لصفة سلبية واحدة بأن تطغى على بقية الصفات الحسنة التي يتمتع بها شريك حياته.

 

عند اشتداد الخلاف

 

وإذا اشتد الخلاف بين الزوجين، فإن الإصلاح لا ينبغي أن يتحول إلى مزيد من التصعيد، بل يكون الهدف هو معالجة أسباب الشقاق والسعي إلى الإصلاح.

 

وقد أرشد القرآن الكريم إلى التحكيم عند تفاقم النزاع، فقال تعالى:

 

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾

[سورة النساء: 35]

 

فإذا أوشكت العلاقة الزوجية على الانقطاع، يمكن أن يكون تدخل العقلاء من الطرفين وسيلة لاحتواء الأزمة، وإزالة أسباب الخلاف، والحفاظ على الأسرة ما أمكن.

 

الزوج والزوجة.. لباس وسكن

 

وقد وضع القرآن الكريم صورة بليغة لمكانة كل من الزوج والزوجة في حياة الآخر، فقال سبحانه:

 

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾

[سورة البقرة: 187]

 

فاللباس يحمي الإنسان ويصون خصوصيته ويستر عورته ويمنحه الأمان.

 

وهكذا تكون العلاقة الزوجية في صورتها المثلى؛ كل طرف فيها ستر للآخر، وسند له، ومصدر للأمان والطمأنينة.

 

وقد عبّر الحديث الشريف عن المسؤولية الأسرية بقوله ﷺ:

 

«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…»

متفق عليه.

 

فالأسرة مسؤولية مشتركة، وكل فرد فيها يحمل دورًا وواجبًا تجاه الآخرين.

 

الأبناء.. أمانة ومسؤولية

 

وما هي إلا أيام حتى يصدح عش الأسرة الإنسانية بصوت جديد؛ طفل صغير يأتي إلى الدنيا، فيملأ البيت حياة وإشراقًا.

 

وقد بيّن النبي ﷺ عددًا من السنن المتعلقة باستقبال المولود، ومنها العقيقة واختيار الاسم الحسن، ثم تبدأ المسؤولية الأكبر: التربية وبناء الشخصية.

 

قال رسول الله ﷺ:

 

«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»

متفق عليه.

 

ويحمل الحديث دلالة واضحة على عظم مسؤولية الوالدين في تربية أبنائهما، وتعليمهم، وبناء أخلاقهم وشخصياتهم، وتهيئتهم للحياة على أساس من القيم والمبادئ.

 

البنات نعمة وليست عبئًا

 

الأبناء نعمة عظيمة من نعم الله تعالى، ولا ينبغي أن ينظر الإنسان إلى الابن باعتباره نعمة وإلى البنت باعتبارها عبئًا.

 

وقد جاءت السنة النبوية بأحاديث كثيرة في فضل الإحسان إلى البنات، والتحذير من التمييز بين الأبناء في المحبة والعطاء.

 

فالأسرة التي تقوم على العدل والرحمة لا تجعل جنس الطفل معيارًا لقيمته ومكانته، وإنما تنظر إلى كل أبنائها باعتبارهم أمانة ونعمة.

 

الضعفاء في الأسرة.. باب من أبواب الرحمة

 

وليس كل من يعيش في كنف الأسرة قادرًا على الكسب، فقد يكون بينهم أرملة، أو عاجز، أو شخص ذو إعاقة، ولذلك لا ينبغي النظر إلى هؤلاء باعتبارهم أعباء تثقل كاهل الأسرة.

 

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

 

«ابغوني الضعفاء، فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم»

رواه الترمذي.

 

فوجود الضعفاء في المجتمع والأسرة ليس دعوة إلى التخلي عنهم، وإنما هو اختبار لمعاني الرحمة والتكافل والمسؤولية.

 

كبار السن.. مسؤولية لا تنتهي

 

ولعل من أعظم ما تواجهه الحياة الأسرية من مشكلات ما يطرق أبوابها عند الشيخوخة،

حين يصبح الشباب ذكرى بعيدة، وتنقطع موارد الكسب، وتتوالى الأسقام والأوجاع، فيحتاج الإنسان إلى من يرعاه ويقف إلى جواره.

 

ويرى الكاتب أن رعاية الوالدين وكبار السن داخل الأسرة تمثل قيمة أصيلة في المنظومة الإسلامية، حيث لا ينبغي أن يتحول الوالدان في مرحلة الضعف إلى عبء يتخلص منه الأبناء.

 

وقد رسم القرآن الكريم منهجًا واضحًا في التعامل مع الوالدين، ولا سيما حين يدركهما الكبر، فقال تعالى:

 

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾

[سورة الإسراء: 23-24]

 

إنها صورة متكاملة لعلاقة الإنسان بوالديه حين تنعكس الأدوار، فيصبح من رعاه صغيرًا بحاجة إلى رعايته كبيرًا.

 

الأسرة المسلمة.. مشروع حياة

 

إن الأسرة في التصور الإسلامي ليست مجرد علاقة تجمع رجلًا وامرأة، وإنما هي مشروع متكامل يقوم على المودة والرحمة والمسؤولية والتكافل والتربية.

 

ومن هنا تأتي أهمية إعادة هذه القيم إلى حياتنا اليومية، وإحياء التوجيهات القرآنية والنبوية المتعلقة بالأسرة في المساجد والمحافل والمؤسسات التعليمية، حتى تتحول من نصوص نقرأها إلى مبادئ نعيشها.

 

فصلاح الأسرة هو الخطوة الأولى لصلاح المجتمع، وحين يسود البيتَ الحبُ والرحمةُ والاحترامُ وتحملُ المسؤولية،

يصبح أكثر قدرة على صناعة أبناء أسوياء، ومجتمع أكثر تماسكًا، وحياة أكثر إنسانية.

 

ولنعمل جميعًا على أن نصوغ حياتنا الأسرية في أجواء ترفرف عليها نسمات الجنة، مستلهمين هدي القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ في بناء الأسرة ومعالجة مشكلاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *