“حاكم”: عندما يصطدم جنون السلطة بمنطق العلم
بقلم الكاتب والباحث: أشرف بن ماضي
مع البروفيسور يوسف زيدان…أنت لا تقرأ رواية أنت تدخل معركة بين التاريخ الذي نعرفه والتاريخ الذي يخشي أن يروى.
ليس كل كتاب يغير مزاجك. وبعض الكتب تغير طريقة تفكيرك.
ومع البروفيسور يوسف زيدان الأمر مختلف. أنت لا تقرأ رواية، أنت تدخل معركة. معركة بين التاريخ الذي نعرفه، والتاريخ الذي يخشى أن يُروى.
وفي “حاكم: جنون ابن الهيثم” يضع البروفيسور يوسف زيدان القارئ وجهاً لوجه مع أخطر سؤال: ماذا يحدث حين يقرر الحاكم أن يمتلك الحقيقة؟
بين زمنين… صراع واحد
تعتمد الرواية على تقنية الانتقال بين عصرين. مصر اليوم، ومصر الفاطمية قبل ألف عام. وهي تقنية كثر استخدامها لاحقاً، لكن البروفيسور يوسف زيدان كان من أوائل من صاغوها في الرواية العربية.
تبدأ الحكاية مع “راضي” الشاب الصعيدي القادم إلى القاهرة للدراسة. نعيش معه تفاصيله اليومية وعلاقته العاطفية بأسلوب سردي سلس ومشوق، إلى درجة يظن القارئ أن الرواية ستكون عنه وحده.
لكن عثور راضي على مخطوطة قديمة يقلب المعادلة. ننتقل فجأة إلى بلاط الحاكم بأمر الله. إلى ست الملك. إلى الحسن بن الهيثم. إلى مطيع كاتب المخطوطة.
وندخل عالماً متكاملاً من الصراع على السلطة والدين والمذهب والعلم. عالم مرسوم بتفاصيل دقيقة تجعل الفارق بين الشخصية التاريخية والشخصية الروائية ضبابياً.
مصر الفاطمية في الرواية
لم يختر البروفيسور يوسف زيدان عصر الحاكم بأمر الله عبثاً. كان عصراً للحيرة الدينية والصراع المذهبي وتقلبات السلطة المطلقة.
عصر تصدر فيه الأوامر فتطاع دون نقاش، ويُغلق فيه باب الاجتهاد، ويُلاحق فيه العقل.
في هذا المناخ كان الصدام بين سلطة الحاكم ومنطق العالم حتمياً. فالحاكم يريد عالماً خاضعاً، والعالم يريد حقيقة لا تخضع.
العنوان والإيهام
يوحي العنوان “حاكم: جنون ابن الهيثم” بأن ابن الهيثم هو محور الرواية. وأننا سنخوض في أعماق تجربته العلمية وعلاقته بالحاكم.
غير أن ظهوره يتأخر. وهذا التأخير قد يربك القارئ الذي دخل الرواية بحثاً عنه.
كذلك الأمر بالنسبة لخط “راضي”. هو خط قوي وجذاب، ويطرح سؤالاً مشروعاً: ما صلته بكل ما جرى؟ ولماذا توقف فجأة؟
ومع تقدم الأحداث يتراجع هذا الخط لصالح عالم الحاكم وست الملك وابن الهيثم، حتى يصبح مصير راضي هامشاً لا يلتفت إليه القارئ. وهو خيار فني مقصود، ولكنه قد يخيب توقع من تعلق ببداية الرواية.
خلاصة الفكرة: العلم والسلطة
أهم ما تتركه الرواية في الذهن هو إشكالية العلاقة بين العلم والسلطة.
العالم يسعى إلى فهم العالم. والحاكم يسعى إلى حكم العالم.
وتلتقي الإرادتان عند نقطة واحدة. لكن الأزمة تبدأ عندما تحاول السلطة أن تُخضع العلم لسلطانها.
الحاكم يستطيع أن يفرض إرادته على البشر. ولكنه لا يستطيع أن يفرض إرادته على الحقيقة.
لأن للعلم منطقه الخاص، وللحقيقة قوانينها التي لا تبدلها الأوامر السلطانية.
خاتمة: هل تغير شيء؟
قد يختلف القارئ مع البروفيسور يوسف زيدان في بناء الأحداث أو في اختياره لبعض الشخصيات.
ولكن من الصعب أن يغلق “حاكم” دون أن يخرج منه محملاً بأسئلة جديدة.
واليوم وبعد مرور ألف عام على عصر الحاكم بأمر الله، لا يزال السؤال مطروحاً.
هل تغيرت العلاقة بين السلطة والعلم؟ هل ما زال هناك من يظن أنه يستطيع أن يصدر قراراً فيغير به قوانين الفيزياء أو حقائق التاريخ؟
رواية “حاكم” لا تجيب. لكنها تذكرنا بأن التاريخ يعيد نفسه، وأن العقل هو الخاسر الأكبر حين يتحول إلى تابع للسلطة.
وهذه هي قيمة كتب البروفيسور يوسف زيدان. ليست قيمتها في أنها تعطيك إجابات جاهزة.
قيمتها في أنها تكشف لك عن أسئلة لم تكن تدرك أنك بحاجة إلى طرحها.
#شبكة_النايل_الإخبارية
#يوسف_زيدان
#حاكم_جنون_ابن_الهيثم

