سلسلة مقالات: سلبيات المجتمع (3)
التفكك الأسري… حين تهتز أساسات المجتمع
✍️ بقلم: الإعلامية نادية أمين
إذا كان الجهل يمثل خطرًا على وعي المجتمع، فإن التفكك الأسري يعد من أخطر القضايا التي تهدد مستقبله.
فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء الإنسان، وعندما تضعف هذه اللبنة، يصبح المجتمع كله معرضًا للاهتزاز.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مجتمعاتنا العربية والمصرية ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الطلاق، حتى أصبحت الظاهرة تستحق الوقوف أمامها بجدية.
ليس فقط باعتبارها مشكلة بين زوجين، وإنما باعتبارها قضية تمس حاضر الوطن ومستقبله.
كانت الأم، وما زالت، هي أساس البيت وروحه، فهي المربية الأولى، وصانعة القيم، والقدوة التي يتعلم منها الأبناء معنى الرحمة والانضباط وتحمل المسؤولية.
لكن مع ازدياد حالات الطلاق، أصبحت كثير من الأمهات يحملن أعباءً تفوق طاقتهن، فأصبحت الأم مطالبة بأن تكون أمًا وأبًا في الوقت نفسه، تعمل لتنفق، وتربي، وتتابع التعليم، وتواجه متطلبات الحياة اليومية وحدها.
هذه المسؤوليات المتراكمة ليست من دورها وحدها، بل هي نتيجة غياب التوازن داخل الأسرة.
وهو ما ينعكس في كثير من الحالات على الأبناء، الذين يحتاجون إلى الاستقرار والدعم من الوالدين معًا.
ولطالما رددت منذ سنوات أن أطفال اليوم قد يصبحون أزمة الغد إذا أهملنا تربيتهم ورعايتهم.
فالطفل الذي ينشأ وسط الخلافات والصراعات المستمرة أو يعيش تجربة الانفصال دون احتواء كافٍ.
هذا ما يجعله قد يواجه تحديات نفسية واجتماعية تؤثر في ثقته بنفسه، وفي نظرته إلى الأسرة والمجتمع، وإن كانت التجارب تختلف من طفل لآخر.
كيف ننتظر من طفل لم يعش معنى الاستقرار الأسري أن يدرك بسهولة قيمة المسؤولية؟
وكيف نطالبه مستقبلًا بأن يبني أسرة متماسكة إذا لم يجد أمامه نموذجًا صحيًا يحتذي به؟
إن ارتفاع معدلات الطلاق لا يجب أن يدفعنا إلى تبادل الاتهامات، بل إلى البحث عن الحلول.
وهنا يأتي دور مؤسسات الدولة، والمجلس القومي للمرأة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والصحافة، والمجتمع المدني، في نشر ثقافة الحياة الزوجية السليمة.
وتقديم برامج توعوية للشباب والفتيات قبل الزواج، حتى يكون الإقبال على تكوين الأسرة قائمًا على الوعي، لا على التوقعات غير الواقعية.
للأسف، أصبح بعض الشباب ينظر إلى الزواج باعتباره وسيلة للترفيه أو تحقيق رغبات مؤقتة، بينما ترى بعض الفتيات أن الحياة الزوجية تقتصر على الخروج والهدايا والمظاهر.
في حين أن الزواج في حقيقته مسؤولية، وشراكة، وصبر، وتعاون، وقدرة على تجاوز الخلافات بالحوار والاحترام.
إن الأسرة ليست حياة مثالية مفروشة بالورود، وإنما مشروع عمر يحتاج إلى النضج والتفاهم والتضحية من الطرفين.
وكلما زاد الوعي بهذه الحقيقة، قلت الخلافات، وتراجعت معدلات الطلاق، ونشأ الأبناء في بيئة أكثر استقرارًا.
إن المجتمع لا يُبنى بالمباني الحديثة ولا بأحدث وسائل التكنولوجيا وحدها، وإنما يُبنى بالإنسان الواعي، والأسرة المستقرة، والأبناء الذين ينشأون على القيم والانتماء والمسؤولية.
فإذا أردنا مستقبلًا أفضل، فعلينا أن نبدأ من الأسرة، لأنها المدرسة الأولى، ومنها يبدأ بناء المجتمع أو انهياره.
وفي المقال القادم من سلسلة “سلبيات المجتمع”، نواصل تسليط الضوء على قضية جديدة تمس واقعنا، بحثًا عن الأسباب والحلول من أجل مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا.



