اليوم الأول: رمضان… شهر العودة إلى الله
د. محمد عبد العزيز
السودان
حين يهلُّ رمضان، لا يأتي كأيِّ شهرٍ عابر في تقويم الأيام، بل يدخل القلوب قبل البيوت، ويطرق الأرواح قبل الأبواب. يأتي خفيفًا كنسمةٍ ربانية، عميقًا كبحرٍ من الرحمة، حاملاً معه وعدًا خفيًّا بالبدء من جديد. ليس رمضان مجرد أيامٍ نصومها عن الطعام والشراب، بل هو زمنٌ استثنائيٌّ تُفتح فيه أبواب العودة، وتُمهَّد فيه الطرق لمن أرهقته المسافات بينه وبين الله.
في زحام الحياة، تتراكم على القلب طبقاتٌ من الغفلة، كما يتراكم الغبار على النوافذ. نرى، ولكن بوضوحٍ أقل؛ نشعر، ولكن بحرارةٍ أضعف. ثم يأتي رمضان، كالمطر، يغسل النوافذ، ويعيد للقلب شفافيته الأولى. فجأةً، تصبح الدموع أقرب، والخشوع أيسر، والدعاء أصدق. كأن الروح كانت تنتظر هذا الموعد السنوي لتستعيد توازنها، لتتنفّس بعمقٍ بعد طول انشغال.
العودة إلى الله في رمضان ليست حدثًا صاخبًا، بل هي حركةٌ داخلية هادئة. قد تبدأ بفكرةٍ عابرة: “أريد أن أكون أفضل.” ثم تتحول إلى نية، والنية إلى عمل، والعمل إلى عادة، والعادة إلى حياة جديدة. في هذا الشهر، نكتشف أن الطريق إلى الله لم يكن بعيدًا كما ظننا، بل كان ينتظر خطوةً صادقة فقط.
الصيام في جوهره إعلانُ رجوع. حين يمتنع الإنسان عن شهواته المباحة، فإنه يعلن بقلبه قبل لسانه: “يا رب، أنت أحبُّ إليَّ مما أشتهي.” في الجوع رسالة خفية، وفي العطش سرٌّ لطيف؛ كلاهما يذكّرنا بضعفنا، وحاجتنا، وفقرنا الدائم إلى الله. وحين نعترف بفقرنا، يبدأ الغنى الحقيقي. فالقلب الممتلئ بالاعتماد على نفسه لا يتسع للنور، أما القلب المنكسر بين يدي خالقه، فهو أوسع الأوعية للسكينة.
ورمضان ليس عودة فردٍ فقط، بل عودة أمة. تتبدل الإيقاعات، تهدأ الخطوات قبيل المغرب، وترتفع الأكفّ عند الأذان في لحظةٍ جماعية من الرجاء. ملايين القلوب، في توقيتٍ واحد، تهمس: “اللهم تقبّل.” أي مشهدٍ هذا الذي تتوحّد فيه الأرواح رغم تباعد الأمكنة؟ إنها وحدة المقصد، حين يصبح الله هو الغاية الكبرى.
في ليالي رمضان، يتجلّى معنى العودة أكثر. حين يسكن الليل، وتخفّ الأصوات، وتُفرش السجادات، يقف العبد بين يدي ربّه بلا أقنعة. لا مناصب، لا ألقاب، لا أدوار اجتماعية؛ فقط عبدٌ ضعيف، وربٌّ رحيم. في السجود تحديدًا، يشعر الإنسان أن المسافة بين الأرض والسماء قد اختصرت، وأن الهموم التي أثقلت كتفيه بدأت تذوب. هناك، في تلك اللحظات الصافية، تتحقق العودة بأجمل صورها: عودةُ قلبٍ إلى أصله.
القرآن في رمضان ليس تلاوة حروفٍ فحسب، بل هو رسالة شخصية. كأن كل آية تقول: “عد.” عد إلى الطمأنينة التي أضعتها، إلى الأخلاق التي نسيتها، إلى الحلم الذي تخلّيت عنه. حين نقرأ القرآن في هذا الشهر، نقرأ أنفسنا أيضًا. نكتشف مواضع القوة فنشكر، ومواضع الضعف فنستغفر، ونتعلّم أن الرحلة إلى الله ليست مثالية، لكنها صادقة.
والجميل في العودة الرمضانية أنها لا تشترط ماضيًا نقيًّا. مهما أثقلتنا الأخطاء، ومهما طال الغياب، يبقى الباب مفتوحًا. رمضان لا يسألنا: لماذا ابتعدتم؟ بل يقول برفق: تعالوا. وهذه الدعوة وحدها كافية لتذيب جبالًا من الخجل. فالله الذي كتب على نفسه الرحمة، جعل من هذا الشهر موسمًا مضاعفًا للعفو، كأنما يريد أن يطمئن القلوب المترددة أن الفرصة ما زالت قائمة.
العودة إلى الله في رمضان تعني أيضًا أن نُعيد ترتيب أولوياتنا. أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي يستحق كل هذا القلق؟ ما الذي يستحق كل هذا الركض؟ حين نجوع نهارًا، ندرك أن كثيرًا مما نلهث خلفه يمكن الاستغناء عنه. وحين نفطر على تمرةٍ وماء، نشعر أن البساطة قد تكون أعمق أشكال الغنى. رمضان يعيد تعريف الوفرة، ويعلّمنا أن القليل مع البركة أكثر من الكثير بلا روح.
ومع مرور الأيام، تبدأ ملامح التغيير بالظهور. لسانٌ كان سريعًا في الغضب يصبح أهدأ، عينٌ كانت شاردةً تعود إلى المصحف، قلبٌ كان قاسيًا يلين عند ذكر الدعاء. ليست معجزاتٍ خارقة، بل تحوّلات صغيرة متراكمة، لكنها كفيلة بأن تصنع إنسانًا جديدًا. وهنا تكمن روعة رمضان: أنه لا يفرض التغيير قسرًا، بل يزرعه بلطف.
إن كان لكل إنسان قصةُ عودة، فإن رمضان هو فصلها الأجمل. هو المساحة الآمنة التي نعترف فيها بضعفنا دون خوف، ونحلم فيها بنسخةٍ أنقى من أنفسنا. هو الشهر الذي يذكّرنا بأن الله أقرب إلينا مما نظن، وأن خطوةً واحدة نحوه، يقابلها بعشرات الخطوات رحمةً واحتواءً.
في اليوم الأول من رمضان، لا نحتاج إلى خططٍ معقّدة بقدر ما نحتاج إلى نيةٍ صافية. أن نقول بصدق: “يا رب، هذه بداية جديدة.” قد نتعثر، قد نضعف، لكن المهم أن نبقى في طريق العودة. فليس الشأن أن نصل سريعًا، بل أن نمضي بإخلاص.
رمضان… شهر العودة إلى الله. شهرٌ تتطهّر فيه القلوب كما تتطهّر الأجساد، وتُضاء فيه الأرواح كما تُضاء المساجد. فإذا أقبل، فليكن استقبالنا له استقبال المشتاق، لا العابر؛ استقبال من أدرك أن الفرص الثمينة لا تتكرر كثيرًا، وأن أعظم رحلةٍ يمكن أن يخوضها الإنسان هي رحلة العودة إلى ربّه.

