اليوم الثاني: الصيام مدرسة التقوى
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو انتقالٌ من ظاهر العبادة إلى باطنها، ومن حركة الجسد إلى يقظة القلب. إنّه تدريبٌ يوميٌّ دقيق، تتربّى فيه الروح على معنى عظيم اسمه “التقوى”؛ ذلك الشعور الخفيّ الذي يجعل الإنسان يراقب الله في السرّ قبل العلن، وفي الخفاء قبل الجلاء.
حين يُمسك الصائم عن المفطرات، لا يفعل ذلك لأن أحدًا يراقبه، بل لأنه يعلم أن الله يراه. يستطيع أن يشرب خفية، أن يأكل بعيدًا عن الأنظار، لكن شيئًا في داخله يمنعه؛ ذلك الشيء هو بذرة التقوى. هنا تبدأ المدرسة الحقيقية: حين يكون الرقيب داخليًا، وحين تصبح الطاعة اختيارًا لا إجبارًا.
الصيام يعيد تعريف الحرية. نظن أحيانًا أن الحرية هي أن نفعل ما نشاء، لكن رمضان يعلّمنا أن الحرية الأسمى هي أن نملك أنفسنا حين تشاء هي أن تملكنا. أن نشتهي فنمتنع، أن نغضب فنحلم، أن نُستفزّ فنصبر. هذه القدرة على التحكم ليست ضعفًا، بل قمة القوة. فالقويّ حقًا ليس من يغلب غيره، بل من يغلب نفسه.
في مدرسة الصيام، نتعلّم الصبر بصوره المختلفة. نصبر على الجوع، على العطش، على تعب الجسد. لكن الأهم أننا نصبر على نزوات النفس: على كلمةٍ جارحةٍ كادت تخرج، على نظرةٍ لا تليق، على عادةٍ ألفناها وأرهقت قلوبنا. كل لحظة صبرٍ هي لبنةٌ في بناء التقوى، وكل امتناعٍ صادق هو خطوةٌ نحو نقاءٍ أعمق.
والتقوى ليست خوفًا جامدًا، بل وعيٌ حيّ. هي أن يعيش الإنسان مستحضرًا عظمة الله ورحمته في آنٍ واحد. يخاف أن يعصي، ويرجو أن يُغفر له. يقف بين الخوف والرجاء كما يقف الطائر بين جناحيه؛ لا يطير بأحدهما دون الآخر. والصيام يوازن هذين الجناحين، فيجعل القلب يقظًا لا يطغى، وخاشعًا لا ييأس.
ومن أعظم دروس هذه المدرسة أن الصيام لا يقتصر على المعدة، بل يشمل الحواس كلّها. فالعين تصوم عن الحرام، والأذن تصوم عن اللغو، واللسان يصوم عن الغيبة، والقلب يصوم عن الحقد. حينها يصبح الصيام حالة شاملة، لا طقسًا محدودًا بساعات النهار. يصبح أسلوب حياة، لا مجرد عبادة موسمية.
وما أعمق أثر الجوع حين يتحوّل إلى رسالة رحمة. حين يشعر الصائم بوخز الحاجة، يتذكّر من يعيشها قسرًا لا اختيارًا. فيلين قلبه، وتتحرك يده بالعطاء، ويصبح أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. هكذا ترتبط التقوى بالرحمة؛ فالقلب الذي يخشى الله، لا يقسو على خلقه.
في ساعات النهار الطويلة، قد يضعف الجسد، لكن الروح تقوى. كأن الصيام يعيد ترتيب الأولويات داخل الإنسان؛ يذكّره أن الجسد خادمٌ للروح، لا سيّد عليها. وأن الإنسان ليس مجموعة رغباتٍ آنية، بل كائنٌ خُلق لهدفٍ أسمى. ومع كل أذان مغرب، لا يكون الإفطار مجرد كسرٍ للجوع، بل احتفالًا صغيرًا بانتصار الإرادة.
والتقوى التي نرجوها من الصيام ليست مشاعر عابرة تنتهي بانتهاء الشهر، بل جذورًا تمتدّ في تربة القلب. رمضان يزرع، ونحن مطالبون أن نسقي الزرع بعده. إن لم تتحول أيام الصيام إلى أخلاقٍ دائمة، فقد ضاعت فرصةٌ ثمينة. فالتقوى الحقيقية تظهر بعد رمضان، حين تستمر المراقبة، ويثبت السلوك، ويظل القلب حيًّا كما كان.
في هذه المدرسة، نتعلّم أيضًا الإخلاص. فالصيام عبادةٌ خفيّة لا يطّلع على حقيقتها إلا الله. قد يرى الناس مظاهرنا، لكنهم لا يعلمون صدق نياتنا. لذلك كان الصيام سرًّا بين العبد وربه، وسرُّ العبادة هو موضع القبول. وكلما صفَت النيّة، ازداد الأثر، وازداد النور في القلب.
الصيام مدرسة، نعم، لكنها ليست قاسية؛ بل رحيمة في دروسها. تبدأ بتكليفٍ يسير، وتنتهي بعطاءٍ عظيم. تُتعب الجسد قليلًا، لكنها تريح الروح كثيرًا. تعلّمنا أن نكون أهدأ، أعمق، أكثر وعيًا بأنفسنا وبربّنا. وحين تنقضي أيامها، يكتشف الإنسان أنه لم يخرج منها كما دخل؛ بل خرج بقلبٍ أنقى، وإرادةٍ أصلب، ونظرةٍ أوضح للحياة.
في اليوم الثاني من رمضان، فلنسأل أنفسنا: ماذا تعلّمنا من صيامنا؟ هل تغيّر فينا شيء؟ هل اقتربنا خطوةً من التقوى التي نرجوها؟ لنجعل من كل يومٍ درسًا، ومن كل موقفٍ تدريبًا، ومن كل ضعفٍ فرصةً للنهوض.
هكذا يكون الصيام مدرسة التقوى… وهكذا يكون رمضان فرصةً لتخريج قلوبٍ جديدة، تعرف ربها أكثر، وتخشاه حبًّا قبل أن تخشاه خوفًا.
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

