اليوم الثالث: ليالي رمضان وسكينة القلوب
د. محمد عبد العزيز
السودان
إذا كان نهار رمضان مدرسةً للصبر، فإن لياليه واحةٌ للسكينة. ما إن تغيب شمس الصيام حتى يتبدّل الإيقاع، ويأخذ الليل بيد القلوب إلى مساحةٍ أكثر هدوءًا وعمقًا. في ليالي رمضان، لا يسكن الظلام فحسب، بل تسكن معه الضوضاء الداخلية التي أثقلتنا طويلًا.
لليل في هذا الشهر طعمٌ مختلف. ليس كغيره من ليالي العام؛ كأن السماء فيه أقرب، والنجوم أصفى، والنسيم أرقّ. تتلألأ المآذن بالأضواء، وتمتلئ المساجد بالمصلّين، وتُفتح المصاحف في البيوت، فتتحول المدينة بأكملها إلى قلبٍ نابضٍ بالذكر. حتى الذين أنهكتهم الأيام يجدون في هذه الليالي طاقةً خفية تدفعهم إلى القيام والدعاء.
سكينة رمضان ليست غياب المشكلات، بل حضور الطمأنينة. قد تبقى الهموم كما هي، وقد لا تتغير الظروف، لكن شيئًا في الداخل يهدأ. حين يقف العبد بين يدي الله في صلاة الليل، تتقلّص الأحزان، وتفقد المخاوف شيئًا من حدّتها. ليس لأن الواقع تبدّل، بل لأن القلب اتصل بمصدر القوة.
في صلاة التراويح، حين تتعالى آيات القرآن، يشعر الإنسان كأنه يُخاطَب مباشرة. كل آيةٍ تمرّ على قلبه تلامس موضعًا فيه؛ تواسيه إن حزن، وتنبهه إن غفل، وتبشره إن أحسن. وبين ركعةٍ وأخرى، ينساب شعورٌ عجيب بالطمأنينة، كأن الروح وجدت أخيرًا ما كانت تبحث عنه طوال العام.
الليل بطبيعته وقتُ صفاء، لكن ليالي رمضان تضاعف هذا الصفاء. تقلّ الانشغالات، وتخفّ المقاطعات، فيصبح من السهل أن يجلس الإنسان مع نفسه بصدق. أن يراجع أيامه، أن يتأمل أخطاءه، أن يعيد ترتيب أولوياته. في هذا السكون، تنكشف حقائق كثيرة كنا نؤجل مواجهتها. غير أن المواجهة هنا ليست قاسية، بل مغلّفة بالرحمة.
ومن أجمل لحظات هذه الليالي تلك التي تسبق الفجر بقليل. حين ينام أكثر الناس، ويهدأ كل شيء، يبقى هناك قلبٌ مستيقظ، يرفع يديه إلى السماء. في هذا الوقت تحديدًا، يكون الدعاء أصدق، والدمعة أقرب، والإحساس بالقرب أعمق. كأن الكون كله يصمت ليصغي لهمسة عبدٍ يقول: “يا رب.”
سكينة ليالي رمضان تعيد للقلب توازنه. في النهار، ننشغل ونتحرك ونجاهد، أما في الليل فنستريح في حضرة الله. وكأن رمضان يعلّمنا أن الحياة تحتاج إلى جهادٍ وسكون، إلى عملٍ وتأمل، إلى سعيٍ وركوع. لا يكفي أن نصوم بالجسد، بل ينبغي أن نحيي الروح بهذه اللحظات الهادئة.
وما أروع أن تمتدّ هذه السكينة إلى علاقاتنا. في ليالي رمضان يرقّ الطبع، ويخفّ الغضب، ويصبح العفو أسهل. جلسات العائلة بعد الإفطار، الأحاديث الهادئة، الضحكات الصافية… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تصنع دفئًا خاصًا. كأن الشهر لا يكتفي بتهذيب الفرد، بل يسعى إلى ترميم القلوب المتباعدة.
السكينة ليست شعورًا عابرًا، بل أثرًا يتراكم. كل ليلة قيام، كل دعاء صادق، كل دمعة خشوع، تترك بصمتها في القلب. ومع تكرار الليالي، يتكوّن في الداخل رصيدٌ من الطمأنينة، يمكن للإنسان أن يعود إليه حين تعصف به الأيام بعد رمضان.
ليالي رمضان تذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم المزدحم. هناك دائمًا بابٌ مفتوح إلى السماء، ومجالٌ للحديث مع الله بلا حواجز. وهذه المعرفة وحدها كافية لتبدّد كثيرًا من القلق. حين يعلم القلب أن له ربًا يسمع ويرى ويجيب، يهدأ، حتى وإن لم تتغير الظروف فورًا.
في اليوم الثالث من رمضان، فلنمنح الليل حقّه. لا نجعله مجرد امتدادٍ للسهر أو الانشغال، بل محطةً حقيقية للقاء. ولو بركعتين خاشعتين، ولو بدقائق صادقة من الدعاء. فليست العبرة بطول القيام، بل بحضور القلب.
هكذا تمضي ليالي رمضان، كأنها رسائل نورٍ متتابعة، تهمس للقلوب المتعبة: اهدئي… إن لكِ ربًا لا ينام، ورحمةً لا تنقطع، وبابًا لا يُغلق.

