الرئيسيةثقافةالقرآن في شهر القرآن
ثقافة

القرآن في شهر القرآن

اليوم الرابع: القرآن في شهر القرآن

د. محمد عبد العزيز

السودان

حين يأتي رمضان، لا يأتي وحده، بل يصحبه النور. نورٌ يتجلّى في آياتٍ تتردّد في المساجد، وفي بيوتٍ يُفتح فيها المصحف بعد طول غياب، وفي قلوبٍ كانت تبحث عن كلمةٍ تهديها الطريق. رمضان هو شهر القرآن، لا لأننا نكثر فيه التلاوة فحسب، بل لأننا نعود فيه إلى مصدر الهداية الأول.

القرآن ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل حياةٌ تُعاش. هو خطاب السماء إلى الأرض، ورسالة الرحمة إلى القلوب. في أيام العام قد نمرّ عليه مرورًا سريعًا، لكن في رمضان يتبدّل الأمر؛ يصبح للآية طعمٌ مختلف، وللحرف أثرٌ أعمق. كأن الزمن في هذا الشهر يُمهّد الطريق بين القارئ والكلمة، فتصل أسرع، وتستقرّ أطول.

حين يجلس الصائم بعد الفجر أو قبل الإفطار، يفتح مصحفه، ويبدأ التلاوة، لا يقرأ حروفًا صامتة، بل يوقظ معاني نائمة في داخله. تمرّ آيات الرحمة فتنعش رجاءه، وآيات المغفرة فتغسل شعوره بالذنب، وآيات الوعيد فتوقظه من غفلته. كل مقطعٍ يحمل رسالة، وكل رسالة تجد موضعها في القلب إن كان مستعدًا.

القرآن في رمضان ليس تلاوة لسانٍ فقط، بل إصغاء قلب. كم من آيةٍ سمعناها مرارًا، لكننا في ليلةٍ رمضانيةٍ معينة نشعر أنها تخاطبنا لأول مرة! كأن المعنى كان ينتظر لحظة صفاءٍ ليُفهم. وهذا الصفاء هو هدية رمضان الكبرى؛ إذ يخفّ ضجيج الدنيا، فيعلو صوت الهداية.

وفي صلاة التراويح، حين يُتلى القرآن جماعة، تتجلّى عظمة المشهد. صفوفٌ منتظمة، وقلوبٌ متوجّهة، وآياتٌ تتردّد في فضاء المسجد. لا يعرف المصلّي كل من حوله، لكنهم جميعًا يشتركون في الإصغاء نفسه، في التأثر ذاته. وكأن القرآن يوحّد القلوب كما يوحّد الاتجاه.

غير أن العلاقة بالقرآن لا تكتمل بكثرة الصفحات وحدها، بل بعمق التأمل. قد يختم الإنسان المصحف مرةً أو أكثر، لكن الأهم أن يختم القرآن قلبه بخاتمٍ من نور. أن يخرج من التلاوة بفكرةٍ تغيّر سلوكًا، أو بعزمٍ يصلح عادة، أو بدمعةٍ صادقة تغسل أثر خطيئة.

القرآن في رمضان يعلّمنا أن الهداية عملية مستمرة. ليس المطلوب أن نكون كاملين، بل أن نكون في طريق الكمال. كل آيةٍ نفهمها هي خطوة، وكل معنى نطبّقه هو ارتقاء. وهكذا يتحوّل الشهر إلى دورةٍ روحية مكثّفة، نراجع فيها أنفسنا على ضوء الوحي.

ومن أجمل ما في هذا الشهر أن البيوت تمتلئ بصوت القرآن. قد يقرأ الأب، أو الأم، أو أحد الأبناء، فيسري الصوت في الأرجاء كنسيمٍ مبارك. حتى الصغار الذين لا يدركون المعاني كاملة، تلامس قلوبهم رهبة الكلمات وجلالها. فينشأ فيهم ارتباطٌ مبكر بهذا الكتاب، ذكرى لا تُنسى عن ليالٍ مضيئة.

القرآن أيضًا مرآة. حين نقرأ قصص السابقين، نرى أنفسنا في مواقفهم؛ في ضعفهم، في توبتهم، في صبرهم. نتعلّم أن الطريق إلى الله مليء بالتحديات، لكنه ممهّد بالوعد. وأن كل عسرٍ يعقبه يسر، وكل ظلمةٍ يعقبها فجر. هذه المعاني لا تُقال لنا نظريًا، بل تُروى لنا حيّةً نابضة.

وفي لحظات الانكسار، يصبح القرآن عزاءً خاصًا. كم من قلبٍ مهموم وجد في آيةٍ واحدة طمأنينةً لم يجدها في أحاديث طويلة! وكم من نفسٍ مضطربة هدأت حين ردّدت كلماتٍ تحفظها منذ الصغر! هكذا يثبت القرآن أنه ليس كتاب زمنٍ مضى، بل كتاب كل زمن.

في اليوم الرابع من رمضان، لنجعل علاقتنا بالقرآن أعمق من عادةٍ سنوية. لنجعلها لقاءً حقيقيًا، حوارًا صامتًا بين القلب والكلمة. لا نسرع فقط لننهي الورد، بل نتأنّى لنفهم، ونسأل أنفسنا: ماذا تريد هذه الآية أن تغيّر فيَّ؟

رمضان يمضي سريعًا، لكن أثر القرآن يمكن أن يبقى. فإن خرجنا من الشهر بقلبٍ أوثق صلةً بكتاب الله، فقد ربحنا أعظم الغنائم. فالقرآن هو النور الذي لا ينطفئ، والرفيق الذي لا يخون، والدليل الذي لا يضلّ.

هكذا يكون القرآن في شهر القرآن… ليس ضيفًا عابرًا، بل صاحبًا مقيمًا، يملأ الروح نورًا، ويقودها برفقٍ إلى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *