اليوم الخامس: قيام الليل سرُّ القرب
د. محمد عبد العزيز
السودان
في زحام الحياة، قلّما يجد الإنسان لحظة صفاءٍ خالصة، لحظة ينفرد فيها بنفسه بعيدًا عن العيون والأصوات. لكن في رمضان، يمنحنا الله هديةً ثمينة اسمها قيام الليل؛ تلك الساعات الهادئة التي يتحوّل فيها السكون إلى جسرٍ يصل الأرض بالسماء، ويصبح الدعاء همسًا يسمعه من لا تخفى عليه خافية.
قيام الليل ليس عبادة حركاتٍ فحسب، بل عبادة حضور. أن تقف بين يدي الله في وقتٍ ينام فيه الناس، هو إعلان حبٍّ خفيّ. كأنك تقول: “يا رب، اخترتُك في ساعة الراحة، وقدّمتُ لقائي بك على نومي.” وهذا الاختيار الصادق هو سرّ القرب. فالقرب لا يُنال بكثرة الضجيج، بل بصدق التوجّه.
في أول ركعة، قد يشعر المرء بثقلٍ بسيط، بآثار يومٍ طويل من الصيام والعمل. لكن ما إن يبدأ بتلاوة الآيات حتى يتبدّل الشعور. شيئًا فشيئًا، تخفّ الأعباء، وتلين النفس، وتنساب الكلمات في فضاء الروح. وكأن القيام لا يستهلك الطاقة، بل يخلقها من جديد.
قيام الليل مدرسة الإخلاص. لا تصفيق فيه، ولا مديح، ولا عيون تراقب. هو لقاءٌ خاص بين العبد وربّه. وفي هذا اللقاء، تسقط الأقنعة. لا مكان للتظاهر، ولا حاجة للتجمّل. هناك فقط قلبٌ بكل ما فيه من ضعفٍ ورجاء، يقف أمام ربٍّ بكل ما فيه من رحمةٍ وعطاء.
ومن أعظم أسرار القيام أنه يكشف لنا حقيقتنا. حين نطيل السجود، تتدفّق من أعماقنا كلماتٌ لم نكن نخطط لها. دعواتٌ صادقة، اعترافاتٌ خفية، وعودٌ نهمس بها لأنفسنا قبل أن نهمس بها لله. في السجود تحديدًا، يشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى السماء، رغم أنه أقرب ما يكون إلى الأرض. مفارقة جميلة تذكّرنا أن الارتفاع الحقيقي يبدأ من الانكسار.
قيام الليل في رمضان له طعمٌ خاص، لأنه يأتي بعد يومٍ من الصبر. كأن النهار يمهّد، والليل يقطف الثمرة. نصوم فنطهّر الجسد، ونقوم فنغذّي الروح. وبهذا التوازن، يكتمل البناء الداخلي للإنسان. فلا يكون اهتمامه منصبًا على ظاهر العبادة وحده، بل على عمقها وأثرها.
وفي صلاة التراويح، حين تصطفّ القلوب قبل الأجساد، يتجلّى مشهدٌ مهيب. آياتٌ تتردّد، ودموعٌ تُحبس، وأخرى تنهمر في صمت. قد لا نعرف قصص بعضنا، لكننا نعلم أن لكلٍّ منا حاجةً جاء يحملها إلى الله. وهنا تكمن روعة القيام الجماعي؛ أنه يجمع احتياجاتنا المختلفة تحت سقف الرجاء الواحد.
غير أن القيام لا يُقاس بطوله فقط، بل بصدقه. قد تكون ركعتان بخشوعٍ كامل أعمق أثرًا من ساعاتٍ بلا حضور. المهم أن يكون القلب حاضرًا، أن تكون الكلمات مفهومة، وأن يكون الدعاء نابضًا. فالله لا ينظر إلى عدد الركعات بقدر ما ينظر إلى ما تحمله من إخلاص.
ومع تكرار الليالي، يصبح القيام عادةً محبّبة، لا تكليفًا ثقيلًا. يشتاق القلب إلى تلك اللحظات، وينتظرها كما ينتظر لقاء صديقٍ عزيز. وإذا فاتته ليلة، شعر أن شيئًا ناقصًا في يومه. هكذا يتحوّل القيام من عبادةٍ موسمية إلى حاجةٍ روحية.
في اليوم الخامس من رمضان، لنجعل لنا نصيبًا ثابتًا من الليل، ولو قليلًا. لا نؤجّل القرب، ولا ننتظر ظرفًا مثاليًا. فالله قريب في كل وقت، لكن لليل سرًّا خاصًا لا يُدرك إلا بالتجربة. فلنجرّب أن نُطيل سجدة، أن نُكرّر دعاءً نحبه، أن نقرأ آياتٍ نتدبّرها ببطء.
قيام الليل… سرُّ القرب الذي لا يُكتب في الكتب، بل يُحسّ في القلب. من ذاقه عرف، ومن عرف اشتاق، ومن اشتاق وجد في تلك اللحظات ما لا يجده في شيءٍ سواها: سكينةً عميقة، وطمأنينةً صافية، وقربًا يملأ الروح نورًا.

