الرئيسيةثقافةمع الصائمين الحلقة العاشرة
ثقافة

مع الصائمين الحلقة العاشرة

مع الصائمين

غزوة بدر الكبرى

الجزء الثالث

محمود فوزي الموجي

خرج الرسول ﷺ بأكبر عدد من المسلمين، فالسرايا والغزوات السابقة لم يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتين، لكنهم في غزوة بدر أصبح عددهم 317 ، وقد خرج الأنصار لأول مرة مع المهاجرين، بينما الغزوات والسرايا التي حدثت قبل بدر كلها كانت معتمدة على المهاجرين، كذلك كان خروج الأنصار في غزوة بدر برغبتهم أنفسهم، كما جاء في صحيح مسلم : أن الرسول ﷺ استشار الناس في الخروج للقافلة، فأعلن أبو بكر الموافقة، وأعلن عمر الموافقة، وأعلن المهاجرين الموافقة، وكان الرسول ﷺ يطلب المزيد من الرأي، حتى قال سعد بن عبادة زعيم الخزرج: إيانا تريد يا رسول الله؟! فقال ﷺ: أجل. فقال: والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر -أي: الخيل- لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا) وبرك الغماد: مكان بعيد عن المدينة المنورة في اتجاه اليمن.

كانت هذه استشارة حصلت داخل المدينة المنورة، وعرض الأنصار أن يخرجوا مع الرسول إلى هذه القافلة، وقبل الرسول ﷺ هذا العرض، وفعلاً خرج الأنصار، بل معظم الجيش كان من الأنصار، فعدد الأنصار في بدر كان 231 أنصارياً، 61 من الأوس، و170 من الخزرج، والمهاجرون كانوا 83 فقط، يعني: ثلثي الجيش تقريباً من الأنصار، وتزود الرسول ﷺ بسلاح المسافر، وأخذ معه فرسين وسبعين من الإبل، وقسم جيشه إلى مهاجرين وأنصار، وأعطى راية المهاجرين لـعلي بن أبي طالب ، وراية الأنصار لـسعد بن معاذ ، وأعطى الراية العامة للجيش لـمصعب بن عمير رضي الله عنهم أجمعين، وجعل على الساقة في مؤخرة الجيش قيس بن أبي صعصعة رضي الله عنه.

كان هذا الإعداد في منتهى القوة، هذا الجيش خرج لقافلة يحرسها 30 أو 40 رجلاً، أي: أن الجيش الإسلامي عشرة أضعاف حراس قافلة مكة تقريباً، وعيوني الاستطلاع حددت أن القافلة ستمر قريباً من بدر، وهي على بعد حوالي 70 كيلو متر جنوب المدينة المنورة، وهكذا اتجه الرسول ﷺ مباشرة إلى بدر حتى يقطع الطريق على القافلة.

المكية وكان على رأسها أبو سفيان بن حرب ، وهو من أذكى وأدهى العرب، وكان له مخابرات استطاع من خلالها أن يعرف أن الرسول ﷺ خرج من المدينة المنورة قاصداً القافلة، لكنه لم يعلم بعد إلى أين وصل ، ولم يضيع وقتاً، بل أرسل رسالة سريعة إلى مكة يستنفر جيش مكة للخروج لإنقاذ القافلة، مع رجل اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري ، فلما وصل ضمضم إلى مكة وقف على بعيره وشق قميصه، وبدأ يصرخ في أهل مكة: يا معشر قريش! يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث! ونفر الناس كلهم، فما تزال مصيبة سرية نخلة قريبة.

وبدءوا في جمع المقاتلين من كل مكان، وأعدوا جيشاً كبيراً على أعلى مستوى، كان تعداده 1300 مقاتل من قريش وما حولها من قبائل العرب وخرجوا بمائة فرس و(600) درع، وعدد كبير من الابل لكنهم كانوا ينحرون 9 أو 10 من الإبل للطعام فقط يومياً، وخرج مع قيادة الجيش كل زعماء الكفر تقريباً: أبو جهل ، عتبة بن ربيعة ، شيبة بن ربيعة ، الوليد بن المغيرة ، عقبة بن أبي معيط ، أمية بن خلف وغيرهم، أما أبو لهب فلم يخرج وخرج آخر في مكانه كان عليه دين. قال له: أخرج وسأرفع عنك الدين.

وجعل المشركون على رأس الجيش أبا جهل سيد مكة وفرعون هذه الأمة، وكان هذا إعداداً ضخماً لجيش خطير، وقد تعاون الجميع لإخراج هذا الجيش الكبير، بل تعاون معهم الشيطان نفسه، فإنه لما قررت قريش الخروج خافت من غدر بني بكر لها؛ وذلك لأنه كان بينها وبين بني بكر بعض العداوات القديمة، فقالوا: إذا خرجنا أتونا بنو بكر من ورائنا، وكاد ذلك يقعدها عن الخروج، لكن الشيطان تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي أحد أشراف بني كنانة. قال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، وكم من المرات ساعد الشيطان أولياءه في حرب المؤمنين، لكن كيد الشيطان لا يسمن ولا يغني من جوع إذا كان الله عز وجل مع الفريق الآخر،( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء:76

إن الشيطان دفع الكافرين دفعاً إلى حتفهم في بدر، قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) المدثر:31.

كذلك فعل أبو جهل أحد كبار شياطين الإنس في مكة، دفع نفسه وزعماء مكة جميعاً للخروج إلى حتفهم ، ك أمية بن خلف من عتاة الإجرام، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه صديقاً له في الجاهلية وقد زار سعد مكة وأحب أن يطوف، وفي أثناء زيارته لمكة قال سعد لـأمية : إنه سمع رسول الله ﷺ يقول إنهم قاتلوك، ففزع أمية بن خلف وازداد رعبه ، ورجع مسرعاً إلى أهله وقال لزوجته: يا أم صفوان ! ألم تسمعي ما قال لي اخي الأنصار ي يقصد سعدا ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمداً أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية : والله لا أخرج من مكة. إن هذه القصة تعرفنا كيف أن أهل الباطل يقرون من داخلهم أن أهل الإيمان هم على حق، وأن كلامهم صحيح لا خطأ فيه، وحق لا باطل فيه، لكن الكبر والبطر يمنعهم من الإيمان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *