“أسرى المقارنات في زمن المقاييس المختلة”
بقلم: د/ زُبير سُلطان ربّاني
كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
من أعمق الأزمات التي تسللت إلى حياة الإنسان المعاصر أزمة المقارنات المستمرة؛ ذلك الانشغال الدائم بقياس الحياة بحياة الآخرين، والرزق برزقهم، والنجاح بنجاحهم، والمكانة بمكانتهم، حتى أصبحت المقارنة عند كثير من الناس معيارًا يحاكمون به أنفسهم وأحوالهم.
ولئن صاحبت المقارنة الإنسان عبر التاريخ، فإن عصرنا وسّع دوائرها إلى حدود غير مسبوقة. فأصبح الإنسان يرى في ساعات قليلة من أحوال الناس وتجاربهم وأرزاقهم ما كان يحتاج إلى سنوات ليعرفه في الأزمنة الماضية. وهكذا تحولت المقارنة من فكرة عابرة إلى حالة ذهنية مستقرة، فتراجعت مساحة الرضا، واتسعت دائرة التطلع، وأصبح كثير من الناس ينظرون إلى ما فاتهم أكثر من نظرهم إلى ما أُعطوا.
والمشكلة لا ترتبط بالطموح والسعي إلى الأفضل، وإنما ترتبط بتحويل حياة الآخرين إلى معيار دائم لتقييم الحياة الشخصية. فكم من إنسان يعيش في عافية وأمن وأسرة مستقرة وعمل كريم، ثم يحمل في داخله شعورًا بالحرمان؛ لأن نظره اتجه إلى ما عند غيره أكثر من التفاته إلى ما رزقه الله. وكم من شخص حقق نجاحًا معتبرًا، ثم وجد نفسه أسيرًا لمقارنات متواصلة أفقدته لذة ما أنجز.
ولهذا جاء القرآن الكريم ليبني في النفس ميزانًا مختلفًا، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: 131).
وتنقل هذه الآية القلب من مراقبة العطايا إلى الثقة بالمعطي، ومن الانشغال بقسمة الناس إلى الرضا بحكمة الله في توزيع الأرزاق.
ثم جاء الهدي النبوي ليضع قاعدة عملية تحفظ للإنسان توازنه النفسي، فقال رسول الله ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (مسلم، الصحيح، حديث رقم 2963).
ومن تأمل أحوال الناس وجد أن أكثر المقارنات استنزافًا للنفس هي المقارنات الدنيوية؛ لأن ميادين الدنيا واسعة ومتجددة. ففوق كل غني من هو أغنى منه، وفوق كل ناجح من هو أكثر نجاحًا، وفوق كل صاحب مكانة من هو أعلى مكانة. ولهذا أعاد الإسلام توجيه روح التنافس إلى الميدان الذي يسمو بالإنسان ويرفعه، فقال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).
وتبرز هنا القاعدة التي تحتاجها النفوس في زمن المقارنات:
قبل أن تقارن معيشتك بمعيشة الأغنياء، قارن عبادتك بعبادة الأتقياء.
وقبل أن تقارن حجم دخلك بدخول الآخرين، قارن رصيدك من الطاعات برصيد الصالحين.
وقبل أن تنشغل بمكانتك بين الناس، انشغل بمكانتك عند الله تعالى.
فهناك تبدأ المقارنات التي ترفع الهمة، وتوقظ القلب، وتمنح الحياة معناها الحقيقي.
فالدنيا فناء، والآخرة بقاء.
ولهذا قال سبحانه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: 32).
وحين يستقر هذا المعنى في القلب يهدأ سباق المقارنات، ويزداد حضور الرضا، ويكتشف الإنسان أن أعظم الثروات لا تسكن الحسابات والأرصدة، بل تسكن القلوب التي عرفت ربها، ورضيت بقسمته، وأحسنت السير إليه.
وهناك يتحرر الإنسان من عبودية المقارنات، ويخرج من أسر النظر إلى ما في أيدي الناس، ليبدأ رحلته الحقيقية نحو بناء نفسه، وعمارة قلبه، والاستعداد للدار التي يبقى نعيمها ولا ينقطع عطاؤه

