الغميضة الأخيرة
بقلم إبراهيم الطير
في وطننا لبنان كنا صغارا
نلهو ولا نعرف معنى النيران
أنا وشادي وصحبة الحي
نركض بين الدار والبستان
قلنا نلعب لعبة الغميضة
والضحك يملأ كل المكان
عد شادي حتى العشرة
ثم راح يبحث في اطمئنان
اختبأنا خلف الحجارة
وخلف بيت هدمه العدوان
وفجأة زمجر صوت الطائرات
واهتزت الأرض بالدخان
صرخت السماء بصوت القنابل
وتناثر الخوف في الوديان
تمسك كل منا بمخبئه
وغاب شادي عن الأعيان
صمت المكان ولم نسمع
ضحكته ولا صوته الرنان
خرجنا نبحث في الطرقات
وفي الركام وفي الجدران
لكن شادي لم يعد أبدا
ومضى كعصفور بلا عنوان
وجاءت أمي تسحب كفي
وعيناها بحر من الأحزان
وفي الجهة الأخرى رأيت أبي
يحمل شادي بين الأكفان
فعرفت أن أخي الصغير
سبقنا نحو دار الجنان
ومنذ ذلك اليوم أخرج وحدي
ألعب غميضة في كل مكان
أنادي يا شادي أين اختبأت
فلا أسمع سوي صدى الجدران
تأتيني أمي كل مساء
وتضمني بين ذراعيها الحنان
وتقول تعال يا كنزي
فأخوك لا يسكن هذا المكان
أقول لها بالأمس كان هنا
وكان يضحك بين الصبيان
فتبكي أمي ثم تهمس
إن شادي يلعب فوق الغمام
هناك في السماء اختبأ
في جنة خضراء وريحان
وسيأتي يوم نلقاه فيه
في أرض لا حرب ولا عدوان
وما زلت كلما سمعت
صوت الطائرات في الأوطان
أرى شادي يعد حتى العشرة
ثم يضيع بين الدخان

