مع الصائمين
غزوة بدر الكبرى
( الجزء الثامن)
بقلم/ محمود فوزي الموجي
تابع/ صفات الجيش المنتصر
٨ _ وضوح الهدف وسمو الغاية
جاء وقت التذكير بالجنة، فقد رفع الرسول ﷺ صوته ليسمع الجميع قال ) والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة). فالجنة حلم كبير عند المسلمين، وهي ليست في الدنيا، إنما تأتي الجنة بعد الموت، فالموت هو الحاجز الوحيد بين الشهيد الذي يقتل في أرض الجهاد وبين الجنة، كما أن الشهيد يدخل الجنة بغير حساب.
فيصبح الموت المكروه عند عامة البشر أمنية، بل أسمى الأماني لمن فقه حقيقة الجنة.
(إن في الجنة مائة درجة أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) البخاري.
( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها) يا نفس ان لم تقتلي تموتي .
فالجيش المنصور جيش يحب الموت، يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه: جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
إن طلب الموت في سبيل الله ليس فيه كآبة ولا حزن، إنما الكآبة أن تقف يوم القيامة تنتظر الحساب سنوات وأنت ترى حولك الشهداء يدخلون الجنة من غير حساب .
إن الجيش الإسلامي قبل أن يأتي إلى بدر كان يبحث عن الجنة، وفي أرض بدر كذلك كان يبحث عن الجنة ، وبعد بدر كذلك يسأل عن الجنة.
فقبل الخروج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة رضي الله عنهما الخروج مع النبي ﷺ إلى بدر، لكن كان تحت رعايتهما بنات كثيرات، فلابد أن يخرج واحد منهما، ويقعد الآخر لرعاية البنات، لكن الاثنين يريدان أن يخرجا للقتال، يطلب الاثنان الجنة بصدق، فلم يتنازل أحد منهما، فقررا أن يعملا قرعة، فخرج سهم سعد بن خيثمة، فتحسر أبوه حسرة حقيقية، فقال لابنه في توسل: يا بني! آثرني اليوم -أي: اتركني أخرج- فضلني على نفسك، لكن سعداً رضي الله عنه وأرضاه رد بجواب يفسر سبباً من أسباب الجيش المنصور، قال في أدب: يا أبي! لو كان غير الجنة لفعلت. وخرج سعد بن خيثمة بهذه الروح الصادقة وقاتل رضي الله عنه حتى استشهد، ودخل الجنة، وخرج أبوه خيثمة في أحد بعد بدر بسنة، واستشهد أيضاً .
قال ﷺ (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) انظر إلى الجنة كيف أثرت في الصحابة يوم بدر، فهذا عمير بن الحمام رضي الله عنه سمع الرسول ﷺ يقول(قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) قال عمير بن الحمام متعجباً: عرضها السماوات والأرض فقال ﷺ (نعم – وتلقى عمير بن الحمام رضي الله عنه الكلام بمنتهى اليقين فقال عمير بخ بخ – للتعجب- فقال ﷺ ما يحملك فقال عمير (رجاء أن أكون من أهلها ) فقال الشهادة.
كان عمير بن أبي وقاص رضي الله عنه شاباً لا يتجاوز عمره ١٦عاماً، فهو في تعريف منظمة الصحة العالمية طفل؛ لأن الأطفال في تعريفهم تحت ١٨ سنة، وفي تعريف القيم والأخلاق والمبادئ والعقائد يعد من سادة الرجال رضي الله عنهم، تقدم رضي الله عنه ليجاهد مع المجاهدين في بدر، لكن خاف أن يرده الرسول لأنه لا يزال صغيراً، فأخذ يتوارى بين القوم حتى لا يراه الرسول ﷺ فيرده، فرآه أخوه المجاهد العظيم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال له: ما يحملك على هذا؟ قال: أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني ويردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة. فجاهد واشتاق بصدق للشهادة، فاستشهد ودخل الجنة.
وهذا عوف بن الحارث رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ (يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسراً) يعني: من غير درع، وهذا فيه دلالة على قوة البأس وعدم الخوف من الموت، ومعلوم أن هذا التصرف يلقي الرهبة في قلوب العدو، هنا ألقى عوف درعه وقاتل حاسراً حتى استشهد رضي الله عنه ودخل الجنة.
إن موضوع الجنة لم يكن غائباً أبداً عن أذهان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم .
وهذه أم حارثة بن سراقة رضي الله عنها أتت النبي ﷺ تسأله عن ابنها حارثة بن سراقة استشهد في بدر وهو شاب صغير، قالت يا رسول الله! قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، فقال لها ﷺ يا أم حارثة! إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)، الله أكبر! حارثة بن سراقة رضي الله عنه وأرضاه في الفردوس الأعلى؛ لأنه مات شهيداً مقبلاً غير مدبر محتسباً صابراً في سبيل الله .

