اتفاق غزة بين الواقع والطموحات.. هل تنجح خريطة الطريق الجديدة في إنهاء الحرب
السبت, أغسطس 1, 2026
الرئيسيةسياسةاتفاق غزة بين الواقع والطموحات
سياسةمقالات

اتفاق غزة بين الواقع والطموحات

اتفاق غزة بين الواقع والطموحات

بقلم: مناضل حنني

في الحادي والثلاثين من يوليو/تموز 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «مجلس السلام» توصل إلى اتفاق وصفه بـ«التاريخي» بشأن قطاع غزة.

 

وجاء الاتفاق في إطار استكمال المرحلة الثانية من خطة ترامب المكوّنة من عشرين نقطة، ووقف إطلاق النار المبرم في شرم الشيخ أواخر عام 2025.

 

ويرسم الاتفاق خريطة طريق طموحة تشمل نزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة، وتشكيل لجنة وطنية تكنوقراطية لإدارة القطاع، وانسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية، إلى جانب نشر قوة استقرار دولية وشرطة فلسطينية جديدة.

 

وتحمل هذه العناوين الكبرى وعودًا بإنهاء معاناة المدنيين، وإطلاق مسار واسع لإعادة الإعمار، وتحويل غزة من ساحة حرب إلى منطقة أكثر استقرارًا.

 

غير أن المسافة بين الإعلان الدبلوماسي والواقع الميداني والسياسي ما تزال واسعة، وتستدعي قراءة متأنية بعيدًا عن الانفعال، لفهم فرص النجاح ومخاطر التعثر.

 

الطموحات المعلنة: رؤية متكاملة على الورق

تقوم خريطة الطريق التي أعلن عنها مجلس السلام على مبدأ «الرزمة المتكاملة»، حيث تربط بين مجموعة من الالتزامات المتبادلة، أبرزها:

استكمال تنفيذ التزامات بروتوكول شرم الشيخ، بما يشمل وقف العمليات العسكرية وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية.

تسليم الإدارة المدنية والأمنية إلى لجنة وطنية تكنوقراطية لإدارة غزة، مع ضمان استقلاليتها ومنع تدخل الفصائل في عملها.

البدء في عملية حصر الأسلحة الثقيلة ومواقع إنتاجها والأنفاق وتخزينها تحت إشراف فلسطيني ودولي، على ألا تُسلَّم هذه الأسلحة لإسرائيل أو لأي جهة غير فلسطينية.

تنفيذ انسحاب إسرائيلي مرحلي مرتبط بالتقدم في إجراءات نزع السلاح.

تهيئة الظروف المناسبة لإعادة الإعمار تحت مظلة دولية.
ويبدو الهدف الأساسي من هذه الخطة هو إنهاء الحرب بصورة مستدامة، وضمان الأمن الإسرائيلي عبر منع استخدام غزة قاعدة للهجمات، وفي الوقت ذاته تمكين الفلسطينيين من إدارة مدنية تفتح المجال أمام التعافي الاقتصادي وإعادة البناء.

 

وقد رحبت عدة دول عربية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، بهذه الخطوة، معتبرة أنها تمثل تطورًا مهمًا نحو تثبيت الاستقرار وفتح الطريق أمام معالجة آثار الحرب.

الواقع: فجوات التسلسل والثقة

رغم الإعلان الرسمي عن الاتفاق، فإن الانتقال من النصوص إلى التنفيذ يواجه تحديات كبيرة، أبرزها طبيعة الترتيب الزمني للخطوات ومستوى الثقة بين الأطراف.

 

أولًا: معضلة التسلسل والتنفيذ

تتعلق أعمق الفجوات بترتيب الالتزامات. فقد أكدت حركة حماس أنها تعاملت بإيجابية مع المقترحات، لكنها تشدد على أن الاتفاق يجب أن يُنفذ باعتباره رزمة واحدة غير قابلة للتجزئة.

ومن هذا المنطلق، فإنها لا ترى إمكانية البدء بخطوات تتعلق بالسلاح قبل التزام إسرائيل بوقف الهجمات، والانسحاب إلى الخطوط المتفق عليها، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية بصورة واضحة.

في المقابل، تتمسك إسرائيل بموقفها القائم على ربط أي انسحاب فعلي بتحقيق تقدم ملموس في ملف نزع السلاح، بل إن بعض الأصوات داخلها تطالب بإخراج الأسلحة من القطاع بشكل كامل.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: كل طرف يريد من الطرف الآخر أن يبدأ أولًا، ما يجعل الاتفاق بحاجة إلى ضمانات قوية وآلية تنفيذ واضحة تمنع انهياره عند أول اختبار.

 

ثانيًا: أزمة الثقة بين الأطراف

الفجوة الثانية تتمثل في انعدام الثقة المتراكم بعد أشهر طويلة من الحرب والتعثر السياسي.

فإسرائيل تنظر إلى أي تأخير في ملف نزع السلاح باعتباره محاولة لكسب الوقت وإعادة بناء القدرات العسكرية، بينما ترى الفصائل الفلسطينية أن أي انسحاب جزئي أو مشروط قد يكون محاولة إسرائيلية للاحتفاظ بمواقع استراتيجية والإبقاء على خيار العودة إلى العمليات العسكرية.

 

وفي ظل هذه الخلفية، فإن الاتفاق لا يحتاج فقط إلى توقيعات سياسية، بل يحتاج إلى بناء منظومة ثقة حقيقية على الأرض.

 

ثالثًا: تحديات القدرة على التنفيذ

أما التحدي الثالث فيتعلق بالقدرة العملية على تطبيق الاتفاق. فتشكيل لجنة تكنوقراطية مستقلة، ونشر قوة دولية، وإنشاء جهاز شرطة فلسطيني جديد، كلها أفكار تبدو ممكنة نظريًا، لكنها تحتاج إلى موارد كبيرة، وتوافق فلسطيني داخلي، وآليات رقابة دولية قادرة على ضمان التنفيذ.

 

وفي ظل حجم الدمار الذي لحق بغزة، والانقسامات السياسية، وتعقيدات الواقع الأمني، فإن تحويل هذه التصورات إلى واقع يحتاج إلى جهد استثنائي وإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف.

 

بين الحلم والواقع: أين يكمن التوازن؟

يعكس الاتفاق في جوهره رغبة أمريكية وإقليمية، بمشاركة مصر وقطر وتركيا، في تجاوز حالة الجمود والخروج من دائرة الحرب المفتوحة.

 

وهو يمثل تقدمًا دبلوماسيًا مقارنة بفترات طويلة من التعثر والمراوحة.

لكن الدبلوماسية وحدها لا تكفي عندما تصطدم بمصالح أمنية عميقة وحسابات داخلية معقدة.

إن إنهاء الحرب وإعادة إعمار غزة يتطلبان معالجة جوهرية لمسألة التسلسل في التنفيذ. فنزع السلاح دون ضمانات واضحة للانسحاب سيواجه رفضًا فلسطينيًا، بينما انسحاب إسرائيلي دون تقدم في ملف السلاح سيواجه اعتراضات داخلية إسرائيلية.

 

ولهذا فإن نجاح الاتفاق يحتاج إلى آليات تحقق دولية شفافة، وجدول زمني واقعي، ومؤشرات واضحة لقياس التقدم، إضافة إلى دور إقليمي فاعل يضمن استمرار المسار وعدم عودته إلى نقطة الصفر.

كما أن أي رؤية مستقبلية لغزة لا يمكن أن تقتصر على الجوانب الأمنية والإدارية فقط، بل تحتاج إلى معالجة سياسية أوسع تضمن للفلسطينيين حقوقهم وكرامتهم وتفتح أفقًا لحل عادل للقضية الفلسطينية.

 

خاتمة

إن اتفاق غزة الأخير ليس مجرد وثيقة دبلوماسية جديدة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على الانتقال من لغة المواجهة والانتصارات الإعلامية إلى لغة التسويات الواقعية.

فالطموحات كبيرة ومشروعة: وقف الحرب، حماية المدنيين، إعادة الإعمار، وتحقيق قدر من الأمن والاستقرار. لكن الواقع يؤكد أن الطريق نحو هذه الأهداف مليء بالعقبات والتحديات.

ويبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا الإعلان إلى بداية فعلية لمرحلة جديدة في غزة، أم ينضم إلى سلسلة المبادرات التي بقيت حبيسة الأدراج ورفوف المفاوضات؟

الإجابة لن تحددها البيانات والتصريحات، بل ما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع والأشهر القادمة. فالتاريخ لا يرحم الاتفاقات التي تبقى حبرًا على ورق.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *