«خائن عبر الزمن».. حين يصبح السفر عبر الزمن رحلة لاكتشاف الإنسان
نقد أدبي لرواية الكاتبة علا سمير الشربيني
بقلم: د. محمود سراج
ليست كل رواية تتحدث عن السفر عبر الزمن رواية عن الزمن وحده، فبعض الأعمال تستخدم الزمن بوصفه مرآة تكشف الإنسان، وتضعه أمام أسئلة لم يكن مستعدًا لمواجهتها.
ومن هذا المنطلق تأتي رواية «خائن عبر الزمن» للكاتبة علا سمير الشربيني، الصادرة عن «روايات مصرية للجيب» التابعة للمؤسسة العربية الحديثة،
لتقدم تجربة مختلفة في أدب الخيال العلمي، وتؤكد في الوقت نفسه التطور الواضح في المسار الأدبي للكاتبة.
فكرة مألوفة.. لكن من زاوية غير مألوفة
السفر عبر الزمن فكرة تناولتها السينما والرواية العالمية مرات عديدة، وغالبًا ما ارتبطت بمحاولات تغيير التاريخ، أو إنقاذ المستقبل، أو امتلاك القوة والثروة، أو السيطرة على مجريات الأحداث.
لكن علا سمير الشربيني اختارت أن تبدأ من سؤال مختلف تمامًا:
ماذا لو امتلك شخص آلة للسفر عبر الزمن، لكنه لا يريد إنقاذ العالم ولا تغيير التاريخ ولا الحصول على السلطة؟
هنا تبدأ المفارقة التي تمنح الرواية خصوصيتها.
فبطل الرواية لا ينطلق من طموح بطولي تقليدي، وإنما من رغبة تبدو بسيطة للغاية: أن يعيش حياته بعيدًا عن المسؤوليات والهموم.
وهذه الزاوية تمنح الفكرة طابعًا إنسانيًا ساخرًا، وتفتح الباب أمام سلسلة من المفارقات والأحداث التي تجعل القارئ يتساءل:
هل يمكن للإنسان أن يمتلك فرصة للعبث بالزمن دون أن يدفع ثمن اختياراته؟
من الفانتازيا إلى الخيال العلمي
تمثل «خائن عبر الزمن» خطوة جديدة في تجربة علا سمير الشربيني؛ فالكاتبة التي قدمت أعمالًا في الفانتازيا بأشكال مختلفة،
اتجهت هنا إلى الخيال العلمي للمرة الأولى، رغبة في التنوع وعدم البقاء داخل نوع أدبي واحد.
واللافت أن الانتقال لم يكن شكليًا، فقد سبقه بحث وقراءة ومحاولة لبناء الأزمنة التي يتحرك خلالها بطل الرواية بصورة مقنعة،
بما في ذلك الاستفادة من تفاصيل عصور تاريخية عايشت الكاتبة بعضها، مثل فترة التسعينيات، إلى جانب تخيل شكل المستقبل.
وهذا ما يجعل الانتقال بين الأزمنة جزءًا من البناء الروائي، وليس مجرد حيلة لإبهار القارئ.
الزمن هنا ليس خلفية.. بل شخصية مؤثرة
أحد عناصر القوة في الرواية هو التعامل مع الزمن باعتباره عنصرًا فاعلًا في الحكاية.
فكل انتقال زمني لا يقدم مجرد مكان جديد للأحداث، وإنما يضع الشخصية أمام مجتمع مختلف، وقيم مختلفة، وتفاصيل جديدة، وأسئلة جديدة.
ومن هنا تصبح الرحلة عبر الماضي والمستقبل رحلة موازية داخل النفس البشرية.
فالإنسان الذي ينتقل بين الأزمنة لا يعود هو الشخص نفسه بالضرورة؛ لأن كل تجربة تضيف إليه شيئًا، وكل اختيار يترك أثرًا،
وكل محاولة للهروب من المسؤولية قد تقوده في النهاية إلى مسؤوليات لم يكن يتوقعها.
التشويق دون تعقيد
ومن أبرز ما يحسب للكاتبة، في تقديري، قدرتها على التعامل مع فكرة علمية وفلسفية يمكن أن تبدو معقدة، وتقديمها في قالب سردي بسيط وسلس.
فالرواية لا تجعل المعلومات العلمية عبئًا على الحكاية، وإنما تحاول توظيفها داخل السياق الروائي، بما يمنح القارئ متعة القراءة وفائدة معرفية في الوقت نفسه.
وقد أشارت الكاتبة إلى اهتمامها بدعم أعمالها بالمعلومات المفيدة، حتى لا يخرج القارئ من الرواية بمجرد «حدوتة لطيفة»، وإنما بمعلومة أو فكرة جديدة تثري تجربته.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين الرواية التي تستخدم الخيال العلمي كزينة، والرواية التي تحاول أن تجعل العلم جزءًا من عالمها.
المستقبل.. ليس بالضرورة كابوسًا
من النقاط اللافتة أيضًا أن الرواية لا تنطلق من التصور التشاؤمي المعتاد للمستقبل؛
فلا تجعل التكنولوجيا بالضرورة عدوًا للإنسان، ولا تقدم المستقبل باعتباره عالمًا ينتظر فيه البشر نهايتهم.
بل تميل الكاتبة إلى رؤية أكثر تفاؤلًا، تتساءل فيها عن إمكانية استخدام التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان،
وحماية كرامته، ومعالجة بعض المشكلات الاجتماعية التي يعيشها الإنسان في الحاضر.
وهذه الرؤية تمنح العمل بعدًا يتجاوز المغامرة والتشويق، لتضعه في مساحة النقاش حول علاقتنا المستقبلية بالتكنولوجيا.
من آلة الزمن إلى النفس البشرية
وربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة في قراءة «خائن عبر الزمن».
فالآلة قد تكون وسيلة لتحريك الأحداث، لكن الإنسان يظل هو القضية الأساسية.
الرواية تفتح الباب أمام تأملات في الطمع، والرغبة، والاختيار، والهروب من المسؤولية، والنتائج التي قد تترتب على قرارات تبدو في بدايتها بسيطة.
ومن هنا يمكن فهم عنوان الرواية بصورة أوسع؛ فالخيانة ليست بالضرورة مجرد فعل مباشر تجاه شخص أو موقف،
وإنما يمكن أن تحمل معنى رمزيًا يرتبط بالخروج على المتوقع، أو خيانة الزمن نفسه، أو محاولة الإفلات من القواعد التي تحكم حياة البشر.
وهذه المساحة التأويلية تضيف إلى العمل قيمة، لأنها تترك للقارئ فرصة أن يقرأ الأحداث على أكثر من مستوى.
علا سمير الشربيني.. تجربة تبحث عن التنوع
لا يمكن فصل «خائن عبر الزمن» عن المسار الأدبي لصاحبتها.
فعلا سمير الشربيني كاتبة ومترجمة، عملت سنوات طويلة في الصحافة الإلكترونية وإعداد البرامج الإذاعية باللغة الإيطالية، ولها عدد من الأعمال المنشورة،
كما انضمت إلى المؤسسة العربية الحديثة في بدايات عام 2020، وتعتز بانتمائها إلى مدرسة الدكتور نبيل فاروق وروايات مصرية للجيب.
والتنوع يبدو واضحًا في تجربتها؛ من الفانتازيا والتاريخ إلى الخيال العلمي، وهو تنوع لا يخلو من المغامرة، لأن الكاتب حين ينتقل من لون إلى آخر يضع نفسه أمام اختبار جديد.
وفي «خائن عبر الزمن» يبدو أن علا سمير الشربيني أرادت خوض هذا الاختبار بطريقتها الخاصة، بعيدًا عن استنساخ التجارب السابقة أو السير في الطريق التقليدي للسفر عبر الزمن.
في النهاية..
«خائن عبر الزمن» ليست مجرد رحلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وإنما محاولة لطرح سؤال أكبر:
ماذا سيفعل الإنسان لو امتلك فرصة للعبث بالزمن؟
وهل يستطيع أن يغير الماضي دون أن يغير نفسه؟
وهل الهروب من المسؤولية ممكن فعلًا، حتى لو امتلك الإنسان آلة تستطيع عبور الزمن؟
في تقديري، تكمن أهمية الرواية في أنها جمعت بين فكرة غير تقليدية، وسرد تشويقي، وانتقالات زمنية تحتاج إلى قدر من البحث والتخيل، مع الاقتراب من قضايا الإنسان والتكنولوجيا والمستقبل.
ومن هنا يمكن القول إن «خائن عبر الزمن» تمثل مرحلة مهمة في تطور تجربة علا سمير الشربيني، وتكشف عن كاتبة لا تكتفي بتكرار نفسها، وإنما تبحث عن مساحات جديدة للمغامرة الأدبية.
كل التوفيق للكاتبة علا سمير الشربيني، مع خالص الأمنيات بمزيد من النجاح والتألق، وانتظار أعمال جديدة تواصل فيها هذا التنوع وهذه الرغبة في اكتشاف عوالم سردية مختلفة.

