حين تكون السريالية خادمة للصورة، لا طاغية عليها، اكتب عن الابتسامة بوصفها شكلًا من أشكال الحزن النبيل، لا نقيضًا له.   - النايل نيوز
الرئيسية » حين تكون السريالية خادمة للصورة، لا طاغية عليها، اكتب عن الابتسامة بوصفها شكلًا من أشكال الحزن النبيل، لا نقيضًا له.  
ثقافة

حين تكون السريالية خادمة للصورة، لا طاغية عليها، اكتب عن الابتسامة بوصفها شكلًا من أشكال الحزن النبيل، لا نقيضًا له.  

كتب المقال بواسطة أ/

حين تكون السريالية خادمة للصورة، لا طاغية عليها، اكتب عن الابتسامة بوصفها شكلًا من أشكال الحزن النبيل، لا نقيضًا له.

 

أَجْمَلُ ابْتِسَامَةٍ

بقلم الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة

 

أجملُ ابتسامةٍ

ليست تلك التي تُرى كاملة…

بل تلك التي تختبئُ خلفَها دمعة،

ثم تتظاهرُ الدمعةُ بأنها لم تأتِ.

أجملُ ابتسامةٍ هي التي يصاحبها صمت؛

صمتُ إنسانٍ عرف أن بعض الغائبين لا يعودون، وأن بعض الأسماء حين نذكرها لا نحتاج إلى الكلام.

هناك أناسٌ غادروا المكان،

لكنهم تركوا ملامحهم معلقةً على جدران الذاكرة.

نفتحُ الباب فلا نجدهم،

ننظرُ إلى الكرسي فلا يجلسون،

نعدُّ فناجين القهوة…

فنجد فنجانًا زائدًا.

فنجانًا يعرف صاحبَه،

ولا يعرف كيف ينساه.

 

وهنا يصبح الإنسان عجيبًا…

فقد تفقد العينُ قدرتها على الرؤية، ولا تفقد الروح قدرتها على التذكر.

وربما لهذا نحن لا نحفظ الذين أحببناهم في الصور… نحفظهم في التفاصيل.

في مقعدٍ فارغ.

في رائحة عطرٍ مرّت صدفة.

في أغنيةٍ لم نستطع إكمالها.

في طريقٍ كنا نسلكه معًا.

وفي فنجان قهوة

ما زال ساخنًا في الذاكرة

رغم أن صاحبه رحل منذ سنوات.

 

أجملُ ابتسامةٍ

هي ابتسامةُ فنجان قهوةٍ كنا نشربه مع الأحبة.

ذلك الفنجان الذي لا يزال يضع على حافته بصمةَ يدٍ لم تعد هنا.

نرفعه إلى شفاهنا، فنجد أن القهوة بردت… لكن الذكرى ما زالت ساخنة.

وربما لهذا فالابتسامة ليست دائمًا إعلانًا عن السعادة.

أحيانًا تكون رسالةً من الماضي:

أنا لم أنسَك.

 

والغريب… أن بعض الغائبين

يصبحون أكثر حضورًا بعد رحيلهم.

كانوا يملأون البيت بالكلام،

ثم رحلوا، فملأوه بالصمت.

كانوا يطلبون منا أن نبتسم،

ثم رحلوا، فأصبحنا نبتسم من أجلهم.

كأن الموت لم يأخذهم تمامًا…

أخذ أجسادهم فقط، وترك لنا مهمة الاحتفاظ ببقية الحكاية.

لهذا قد ترى رجلًا يبتسم وحده في الطريق. لا تتعجل الحكم عليه.

ربما كان يجلس الآن مع شخصٍ لا تراه أنت.

وربما كانت أمه تحادثه،

أو حبيبته،

أو صديقٌ قديم

ما زال يحتفظ بمقعده في قلبه.

وربما… كان يتذكر نفسه

قبل أن تكسره الحياة.

 

أجملُ ابتسامةٍ هي التي لا تحتاج إلى جمهور.

ابتسامةٌ تحدث في الداخل،

حين تفتح الذاكرة نافذتها قليلًا،

فيدخل منها وجهٌ قديم ثم يغلقها بهدوء.

نبتسم…

ثم نسكت.

ولا يعرف أحد

لماذا كانت في أعيننا دمعة.

فهل كل ابتسامةٍ سعادة؟

أم أن بعض الابتسامات

ليست إلا الطريقة التي يتعلم بها القلب كيف يعيش مع ما لا يستطيع تغييره؟

ربما كانت أجمل ابتسامة

هي تلك التي ابتسمتها أنت يومًا…

حين تذكرت شخصًا لم يعد بإمكانك أن تخبره أنك ما زلت تحبه.

 

ففي مكانٍ ما من القلب، توجد ابتسامةٌ لم يجد الموتُ طريقًا إليها.

كلما حاولنا دفنَ صاحبها، خرجت من بين التراب وجلست معنا.

لم تكن تضحك… كانت فقط

تذكّرنا أنه كان هنا.

أجملُ ابتسامةٍ هي التي تصل إلى الشفاه بعد أن تمرّ أولًا على جرحٍ قديم.

ابتسامةٌ فيها شيءٌ من الدمع،

وشيءٌ من الصمت، وشيءٌ لا نملك له اسمًا.

كابتسامة حبيبةٍ

وقفت أمام صورة رجلٍ رحل،

فلم تقل: «اشتقت إليك».

سكتت.

لأن بعض الاشتياق

إذا نطق، فقد معناه.

وأمٌّ فقدت ابنها شهيدًا…

كانت كلما سمعت اسمه

لا تبكي.

كانت تبتسم.

ابتسامةٌ جعلت الذين حولها

يخافون من قوتها.

لكنها في الليل

كانت ترتب سريره.

لا أعرف لماذا.

ربما كانت تخشى

أن يعود متعبًا

فلا يجد مكانًا ينام فيه.

وربما كانت تعرف شيئًا

لا نعرفه نحن عن الغياب.

وأبٌ فقد نور عينيه…

صار وجه ابنه

أكثر وضوحًا في الظلام.

يمرر يده على ملامحه

كأنه يقرأ وجهًا محفوظًا في راحة اليد.

ثم يبتسم.

فهمت يومها

أن العين ليست العضو الوحيد الذي يرى.

هناك قلوبٌ تظل مفتوحةً حتى بعد أن تُغلق النوافذ كلها.

أما فنجان القهوة… فله حكاية أخرى.

هناك فناجين

نشربها مرةً واحدة، ثم نشربها بقية العمر.

نجلس إلى الطاولة، نضع فنجانين.

نرتشف الأول.

ثم نلتفت…

فنكتشف أن الثاني

ما زال ينتظر يدًا لن تأتي.

نتركه مكانه.

ليس لأننا ننتظر عودة أحد،

بل لأن بعض الغياب

يحتاج إلى كرسيٍّ يحترمه.

لهذا أقول: أجملُ ابتسامةٍ

هي ابتسامةُ فنجان قهوة

كنا نشربه مع الأحبة.

فالابتسامة جسرٌ زجاجيٌّ معلّقٌ بين ضفتين:

ضفةٌ اسمها «كان»… وضفةٌ لا أعرف اسمها.

ربما اسمها «سيبقى».

نعبر إليه كلما اشتقنا،

ونعود منه

وفي أيدينا شيءٌ من الماضي.

والعجيب…

أن بعض الناس لا يغادروننا حين يموتون.

يغادرون المكان فقط.

أما أصواتهم

فتظل في الممرات.

ضحكاتهم

تختبئ في الأبواب.

خطواتهم

تعود أحيانًا من آخر الليل.

حتى إننا قد نلتفت فجأة…

ثم نبتسم.

ولا نجد أحدًا.

وربما هنا تكمن الحكاية كلها:

أننا لا نبتسم لأن الغائب عاد…

بل لأننا لم نسمح له أن يرحل كاملًا.

كل إنسانٍ نحبه يترك شيئًا منه فينا.

قد يترك طريقةً في الضحك،

أو كلمةً نرددها دون أن نشعر،

أو كوبًا نضعه في مكانٍ لا نعرف لماذا نضعه فيه.

ثم نمضي.

نبدو بخير.

نضحك.

نتحدث.

ونعيش.

لكن هناك في مكانٍ سريٍّ داخلنا

شخصٌ يجلس إلى جوار نافذة،

يمسك فنجان قهوة،

وينظر إلى كرسيٍّ فارغ…

ويبتسم.

لا تسأله لمن يبتسم.

ربما لو أجابك

لبكيت.

وربما لو بكى

عرفتَ أنك أنت أيضًا

تجلس إلى جوار غائبك.

فمن هو الغائب الذي ما زال يبتسم لك من داخلك؟

وهل ابتسامتك اليوم…

لك؟

أم لشخصٍ

لم يعد هنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *