الرئيسيةثقافةمع الصائمين الحلقة الرابعة عشر
ثقافة

مع الصائمين الحلقة الرابعة عشر

مع الصائمين

بقلم/ محمود فوزي الموجي

 

الحلقة الرابعة عشر

غزوة بدر الكبرى

الجزء السابع

اختيار الرسول ﷺ مكان موقعة بدر وسماعه لمشورة الصحابة

علم الرسول ﷺ معلومات مهمة جداً عن الجيش المكي، فقام بترجمتها إلى أعمال، وبسرعة أخذ الرسول ﷺ جيشه، واتجه إلى أرض بدر؛ ليختار الأرض التي ستتم عليها الموقعة قبل عدوه، حتى يضع جيشه في مواقع إستراتيجية داخل أرض الموقعة، واختار ﷺ بنفسه مكاناً للنزول في أرض بدر، واستقر فيه في تلك الليلة، فجاء إليه الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه من الأنصار، وهو من الخبراء العسكريين المعروفين بدقة الرأي وعمق النظرة، وسأل النبي ﷺ (يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﷺ بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم -أي: أقرب ماء من قريش- فننزله وتغور -يعني: تخرب- ما وراءه – ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون)، هذا هو منتهى الحكمة، فالماء في الصحراء في غاية الأهمية، فقال الرسول ﷺ لقد أشرت بالرأي، وبالفعل غير مكانه الأول ونزل في المكان الذي أشار إليه الحباب بن المنذر رضي الله عنه.

إنه مبدأ الشورى من جديد، ويرينا كيف نستفيد من طاقات المجتمع؟ وكيف يمكن أن نستغل المواهب الهائلة التي وزعها الله على خلقه بحكمة عجيبة؟ فلو كان هناك كبت لآراء الجنود لما عرف الرسول المكان المناسب في بدر، وهذا سيكون له ضرر على الأمة كلها فالشورى أمر حتمي لأمة تريد النهوض، فإنه بعد النزول في المكان الذي حدده الحباب رضي الله عنه قام الصحابة بالإشارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر اختلف فيه الرواة، وهو بناء العريش أو مقر القيادة؛ لكن سواء تم بناء هذا العريش أو لم يتم، فإن الثابت حقيقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينعزل عن جيشه أبداً في موقعة بدر، فمع أنه القائد الأعلى للجيش قاتل معهم بنفسه، بل كان أقربهم إلى العدو.

روى الإمام أحمد بن حنبل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله ﷺ وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.

نزول السكينة والمطر والنعاس على جيش المسلمين

حصل في ليلة بدر أمران في غاية الأهمية غير النزول في مكان بدر: أولاً: النعاس الذي غلب المسلمين في ليلة بدر بعدما وصلوا وعسكروا في المكان.

ثانياً: المطر الذي نزل في نفس الليلة، فالنعاس كان أمره عجيباً، كان المسلمون على بعد خطوات من الجيش المكي الكبير، ومع ذلك يصلون إلى حالة من السكينة وهدوء الأعصاب، فينامون بأمان تام في أرض بدر، ومعلوم أن الشخص لما يكون منشغلاً بشيء مهم لا يستطيع أن ينام بمنتهى الأمان وهو في وسط بيته، فما بالك بشخص نائم في أرض المعركة وهو منشغل بها، فمن الممكن أن تكون نهايته فيها؟ لكنه هدوء أعصاب عجيب، لا يفكر في عدد الأعداء، ولا يفكر في طريقة القتال، ولا يفكر في سيناريو المعركة، ولا يفكر في أولاده وزوجته، ولا يفكر في تجارته ولا حتى في نفسه، بل نائم في منتهى الراحة، ففي هذه الليلة نام الجميع إلا النبي ﷺ ، ظل طوال الليلة يصلي ويدعو الله عز وجل أن ينصر هذا الجيش المؤمن.

على الناحية الثانية كان جيش مكة حيران لا يعرف النوم، فغداً موقعة مرعبة بالنسبة لهم، بالإضافة إلى أنه ليس مقتنعاً بالحرب أصلاً، وعلى ماذا يحارب، من أجل هبل واللات والعزى، أم من أجل القائد الزعيم أبي جهل، أم من أجل القافلة؟ فالقافلة قد تجاوزت الخطر، وأبو سفيان عبر بها إلى بر الأمان فعلام القتال؟ فقد يموت المشرك غداً، أو يصبح أسيراً أو جريحاً أو هارباً ومطارداً، فيا لها من نفسية مضطربة مريضة(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) الحج:٣١

كذلك المطر في ليلة بدر كان عجيباً جداً، فمنطقة بدر كلها عبارة عن واد صغير، فسحابة واحدة صغيرة قد تغطي الوادي كله، فنزول المطر في ليلة بدر على أرض بدر فقط غريب جداً، فقد نزل هيناً لطيفاً خفيفاً على المسلمين ونزل وابلاً شديداً معوقاً على الكافرين، شرب المسلمون واغتسلوا وتماسك الرمل في معسكرهم تحت الأقدام، فثبتت الأقدام قال الله عز وجل): وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (الأنفال:11

أما الكفار فقد أحدث المطر مخاضة كبيرة عندهم، منعت التقدم وأعاقت الحركة، وليس لأحد طاقة بحرب الله عز وجل.

مقارنة بين دعاء المؤمنين لربهم ودعاء الكافرين يوم بدر

في صباح يوم بدر كانت أول كلمات الرسول ﷺ دعاء لرب العالمين سبحانه وتعالى، دعا أمام الناس جميعاً ليذكرهم بالله عز وجل الذي بيده النصر والتمكين، رفع يده وقال)اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة(، فالنبي ﷺ من وقت خروجه من المدينة يدعو الله سبحانه وتعالى أن يأتي بالنصر، فعندما خرج من المدينة المنورة إلى بدر كان يقول: (اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم)، وقبل القتال كان يقول: (اللهم فنصرك الذي وعدتني)، وأثناء القتال كان ﷺ شديد الابتهال إلى ربه، كان يرفع يده إلى السماء ويستقبل القبلة ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) واستمر ﷺ يدعو بهذا رافعاً يديه إلى السماء حتى سقط رداءه من على كتفيه، فأتاه الصديق رضي الله عنه وأرضاه فرفع الرداء من على الأرض، ووضعه على كتف الرسول ﷺ ، وقال له برقة وهو يمسك بكتفي الرسول ﷺ يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فانظر إلى طول الدعاء وطريقته حتى جعل أبو بكر الصديق يشفق على الرسول ﷺ من كثرة الدعاء، كان الدعاء من الجيش كله، فكل الجيش مرتبط بالله سبحانه وتعالى؛ لذلك قال الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ الأنفال

لكن الغريب أن الكفار أيضاً كانوا يدعون الله، وعلى رأس الذين كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء أبو جهل، كان يقول: اللهم أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة. ويستخدم نفس الكلمة التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم.

إن دعاء أبي جهل هذا يدعو إلى العجب والحيرة، فكتب السيرة تنقل لنا كثيراً مواقف في فترة مكة تثبت بما لا يدع أي مجال لشك أن أبا جهل كان يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حق، ويعرف أنه نبي، ويعرف أن القرآن معجز ويعرف أن الملائكة تحرس النبي ﷺ ، عرف ذلك بوضوح في أكثر من موقف، ومع ذلك فهو الآن يدعو وبصوت يسمعه الجميع أن ينصر الله عز وجل الأحب إليه! وهذه محاولة دنيئة لإضلال القوم، كما قال الله في حق فرعون: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه:٧٩]، وقال فرعون نفسه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:٢٩]، فيحاول أن يقنعهم أن كل الإجرام الذي يقوم به هو وأمثاله من الطواغيت ما هو إلا خير وهدى ورشاد وإصلاح، وهذا الأمر نراه كثيراً سواء في الطواغيت القدماء أو في الطواغيت المعاصرين، فكلهم يقولون: إنهم مصلحون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *