الشيخ ولي الرحمن: رائد تعليم المرأة والإصلاح الاجتماعي في بنغلاديش
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي
كان الشيخ ولي الرحمن من أبرز رواد الإصلاح الاجتماعي وتعليم المرأة المسلمة في بنغلاديش. كرس حياته لنشر الوعي الديني وترسيخ القيم الأخلاقية وتوسيع فرص التعليم للنساء إيمانا منه بأن نهضة الأمة لا تكتمل إلا بنهضة المرأة. وقد كان من أوائل الداعين إلى إنشاء المحافل الوعظية النسائية، فأسهمت جهوده في نشر التعليم والوعي الديني بين النساء، وترك آثارا فكرية وتربوية بارزة جعلته من أبرز المصلحين في عصره.
ولد الشيخ ولي الرحمن سنة 1916م في منطقة سيلهت في بيت عريق جمع بين شرف النسب ورفعة العلم وسمو الروح. وكان الابن الثاني للشاعر الصوفي الكبير والمفكر الإسلامي المعروف الشيخ إبراهيم علي تشنا، فيما كانت والدته السيدة آسيا خاتون مثالا في الصلاح والفضيلة.
وينتمي الشيخ ولي الرحمن إلى أسرة اشتهرت بالعلم والدعوة وخدمة الدين، وتمتد جذورها إلى تاريخ إسلامي مجيد في منطقة سيلهت. فمن أسلافه الشيخ شاه تقي الدين رحمه الله، أحد أصحاب الشيخ الجليل شاه جلال ورفقائه في رحلته المباركة إلى تلك الديار، ومن أوائل الذين أسهموا في نشر الإسلام وترسيخ دعائمه في المنطقة.
وفي ظل هذه البيئة الإيمانية والعلمية الزاخرة بالقيم الروحية والمعارف الشرعية، نشأ ولي الرحمن وترعرع، فامتلأت نفسه منذ نعومة أظفاره بحب العلم والدعوة والإصلاح، وتشكلت شخصيته في أحضان أسرة جعلت من خدمة الدين والناس رسالة حياة. ومن هنا كانت بداياته امتدادا طبيعيا لذلك الإرث العريق، الذي أمده بالعزم والبصيرة، وهيأه ليصبح واحدا من أبرز المصلحين الاجتماعيين والدعاة التربويين في تاريخ بنغلاديش المعاصر.
نشأ الشيخ ولي الرحمن في بيئة علمية ودينية أصيلة، فكان منذ طفولته مولعا بطلب العلم، متوقد الذكاء، شديد الشغف بالمعرفة، تبدو على محياه مخايل النبوغ، وتلوح في شخصيته المبكرة بوادر التميز والريادة. وقد تلقى تعليمه الأولي في مدرسة عمرغانج الابتدائية بقريته، ثم انتقل إلى مدرسة إمداد العلوم بعمرغانج، حيث واصل دراسته حتى الصف السادس، وأظهر خلال تلك المرحلة تفوقا ملحوظا واهتماما خاصا بالعلوم الشرعية.
ولما امتلأت نفسه بحب العلم، وتطلعت روحه إلى الارتواء من ينابيعه الصافية، التحق بمدرسة جامع العلوم الكاملة في غاسباري، التي كانت يومئذ من أبرز المعاهد العلمية في المنطقة. وهناك انصرف إلى التحصيل انصرافا كاملا، فجد واجتهد، وواظب وثابر حتى أحرز شهادة الفاضل سنة 1937م، بعد أن شهد له أساتذته بسعة الفهم وحسن الإدراك وقوة التحصيل. غير أن همته لم تقف عند هذا الحد، فقد كان يرى أن طريق العلم أوسع من أن تحده الحدود، وأرحب من أن تقف عنده الطموحات. ولذلك شد الرحال سنة 1938م إلى الهند قاصدا مدرسة رامبور العالية بولاية أتر برديش، تلك المؤسسة العلمية العريقة التي كانت تعد منارات العلم الشرعي في شبه القارة الهندية، ومقصدا لطلاب المعرفة من مختلف الأقطار. وفي رحاب رامبور العالية انفتح أمامه عالم واسع من العلوم والمعارف، فانكب على دراسة علوم الشريعة بمختلف فروعها، وأقبل عليها بعزيمة لا تعرف الفتور حتى نال شهادة الكامل، كما حاز إجازة متخصصة في علم الحديث الشريف ليجمع بذلك بين رسوخ التأصيل العلمي ودقة التخصص.
وقد تشرف بالأخذ عن نخبة من كبار علماء عصره، فكان شيخه في الحديث الشيخ عبد الخليل، الذي غرس فيه محبة السنة النبوية، وأرسى في نفسه قواعد التحقيق والتثبت، ورباه على منهج العلماء الراسخين في فهم النصوص واستنباط الأحكام. كما نهل من معين التفسير على يد المفسر الكبير والمفكر الإسلامي البارز الشيخ أحمد علي اللاهوري، فاستفاد من علمه الغزير، وتأثر بمنهجه القرآني الإصلاحي، واتسعت بفضل ذلك آفاقه الفكرية والدعوية. وقد كان لهذه الرحلة العلمية المباركة، ولأولئك الأساتذة الأعلام أثر بالغ في صياغة شخصيته العلمية والفكرية، إذ اجتمع له عمق الفقه، وسعة الثقافة، ونفاذ البصيرة، فتهيأت له أسباب الريادة في ميادين الدعوة والإصلاح. ومن هذا البناء العلمي المتين انطلقت مسيرته الحافلة بالعطاء ليصبح واحدا من أبرز علماء بنغلاديش، وأشهر كتابها المصلحين، وأحد الرواد الذين أسهموا في نهضة المجتمع، والدعوة إلى تعليم المرأة المسلمة وتمكينها من أداء رسالتها الحضارية في الحياة.
ما إن فرغ الشيخ ولي الرحمن من رحلته العلمية الزاخرة بالتحصيل والتكوين حتى اتجه إلى ميدان التعليم والدعوة حاملا رسالة العلم والإصلاح، ومستشعرا عظم المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء في بناء الأجيال وتوجيه المجتمعات. وفي عام 1956م بدأ مسيرته العملية في سلك التدريس، فاتخذ من نشر المعرفة الشرعية، وغرس القيم الإسلامية، وتربية الناشئة على مبادئ الدين الحنيف غاية سامية وهدفا نبيلا كرس له عمره وجهوده.
وقد ارتبط اسمه ارتباطا وثيقا بمدرسة إمداد العلوم بعمرغانج، حيث تولى منصب المدير العام زهاء نصف قرن من الزمان، وهي مدة حافلة بالعطاء والبذل والإنجاز. وخلال هذه السنوات الطويلة قاد المؤسسة بعقلية تربوية ناضجة، ورؤية إصلاحية ثاقبة، وهمة لا تعرف الكلل حتى غدت المدرسة في عهده منارة علمية شامخة، ومقصدا لطالبي العلوم الشرعية من مختلف المناطق. ولم يكن اهتمامه مقتصرا على الإدارة والتنظيم، بل كان مربيا وموجها وصانعا للرجال، فأشرف على إعداد أجيال متعاقبة من العلماء والدعاة والمدرسين والخطباء والقيادات الفكرية والاجتماعية، الذين حملوا مشاعل العلم والهداية إلى مختلف أرجاء البلاد، وأسهموا في خدمة الدين والمجتمع مستلهمين ما تلقوه من شيخهم من علم وأخلاق وإخلاص. وكان يرى أن المؤسسات التعليمية ليست مجرد أماكن لتلقين العلوم، بل مصانع للرجال، ومشاتل للفضيلة، ومنابع لإعداد القيادات التي تنهض بالأمة وتحفظ هويتها وقيمها، ولذلك حرص على أن تجمع المدرسة بين التكوين العلمي الرصين والتربية الإيمانية العميقة، فكان أثره ممتدا في النفوس قبل الأبنية، وفي الرجال قبل المؤسسات.
ومن أبرز ميادين عطائه التربوي جهوده الرائدة في تطوير التعليم المكتبي، إذ كان يؤمن إيمانا راسخا بأن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الحاسمة في تشكيل شخصيته وغرس العقيدة والقيم في وجدانه، وأن الكتاتيب القرآنية تمثل الحصن الأول الذي يحفظ هوية الأمة ويصون أبناءها من الانحراف والجهل. وانطلاقا من هذه الرؤية العميقة، أولى التعليم المكتبي عناية فائقة، وسعى إلى الارتقاء بمستواه العلمي والتربوي، فكان من أوائل المصلحين الذين تنبهوا إلى ضرورة تأهيل معلمي الكتاتيب وتطوير مناهج التعليم الأولي للقرآن الكريم والعلوم الدينية. وفي عام 1968م خطا خطوة تاريخية رائدة حين أسس وأدار أول معسكر تدريبي تابع لهيئة نادية القرآن في منطقة سيلهت، وهو مشروع تربوي غير مسبوق في المنطقة آنذاك. وقد استهدف هذا المعسكر إعداد المعلمين وتأهيلهم وفق أساليب تربوية حديثة، والارتقاء بمهاراتهم التعليمية، وتطوير طرائق تدريس القرآن الكريم للأطفال بما ينسجم مع متطلبات العصر ويحافظ في الوقت ذاته على أصالة التعليم الإسلامي.
وقد أثمرت هذه المبادرة المباركة نتائج واسعة النطاق، فأسهمت في رفع مستوى التعليم المكتبي، ونشرت ثقافة التدريب والتأهيل بين المعلمين، وأوجدت جيلا جديدا من المربين الأكفاء الذين حملوا رسالة تعليم القرآن الكريم إلى مختلف القرى والمدن. ومن ثم أصبحت هذه التجربة نقطة تحول مهمة في تاريخ التعليم الديني الأولي في سيلهت، وفتحت آفاقا جديدة للإصلاح التربوي استمر أثرها لعقود طويلة.
كان الشيخ ولي الرحمن من رواد حركة تعليم المرأة المسلمة، إذ بادر إلى العمل من أجل النهوض بتعليم النساء في وقت كانت فيه فرص التعليم المتاحة لهن محدودة، وكانت العقبات الاجتماعية تحول دون مشاركتهن الواسعة في المؤسسات التعليمية. وسعيا إلى إتاحة فرص التعليم الديني والتعليمي للمرأة، أطلق سنة 1968م برنامجا أسبوعيا للاجتماعات النسائية العامة، استهدف النساء من مختلف الفئات الاجتماعية. وقد أتاح هذا المشروع لعدد كبير من النساء فرصة تلقي المعارف الدينية والتربية الأخلاقية وتنمية الوعي الاجتماعي، فكان له أثر ملموس في رفع مستوى الوعي بين النساء وتعزيز حضورهن في الحياة العامة.
وفي عام 1972م خطا خطوة رائدة أخرى حين أسس أول ملتقى وعظي إسلامي نسائي في بنغلاديش، عرف لاحقا بالمحافل الإسلامية النسائية. وقد شكل هذا المشروع مبادرة غير مسبوقة أسهمت في تعزيز الوعي الديني والاجتماعي لدى المرأة، ووفرت لها مجالا مناسبا للتعلم والتثقيف والمشاركة.
وفي إطار جهوده الرامية إلى ترسيخ التعليم النسائي على أسس مؤسسية، أنشأ سنة 1981م أول مدرسة للبنات في منطقة سيلهت، والتي تعد من أقدم المؤسسات التعليمية النسائية في البلاد. وقد ضمت مناهجها تعليم القرآن الكريم مع التجويد، والدراسات الدينية، واللغة البنغالية وآدابها، والرياضيات، والإملاء والخط إلى جانب التربية الأخلاقية وبعض المهارات العملية كالصناعات المنزلية والخياطة وإدارة شؤون الأسرة. وبذلك لم تقتصر هذه المؤسسة على تقديم التعليم الديني فحسب، بل أسهمت أيضا في إعداد المرأة المتعلمة الواعية القادرة على أداء دورها في المجتمع. ومن خلال هذه المبادرات الرائدة ترك الشيخ ولي الرحمن أثرا بارزا في مسيرة تعليم المرأة والنهوض بها، وأسهم في توسيع فرص التعليم أمام المسلمات وتعزيز مشاركتهن في الحياة الاجتماعية مما جعله واحدا من أبرز رواد حركة تعليم المرأة في بنغلاديش.
خلف الشيخ ولي الرحمن عددا من المؤلفات التربوية والإصلاحية، ولا سيما في مجال تعليم المرأة المسلمة وتوعيتها، ومن أبرزها: إصلاح النسوان، وطهارة النسوان، وتعليم النسوان، ونشر الحق، والإصلاح والهداية، وأربعون مسألة، وتعليم المرأة المسلمة.
كان الشيخ ولي الرحمن من المشاركين في الحركة المناهضة للاستعمار البريطاني، ونشط في صفوف الرابطة الإسلامية. وخلال عهد باكستان لبى دعوة الشيخ عطاء الله فانضم إلى حزب نظام الإسلام. وفي عام 1979م أسس هيئتين هما: هيئة إصلاح المسلمين واتحاد العلماء.
انتقل الشيخ ولي الرحمن إلى جوار ربه ليلة الجمعة 20 يناير سنة 2006م. كان الشيخ ولي الرحمن من أبرز رواد التعليم والإصلاح الاجتماعي في بنغلاديش، وقد ترك أثرا بارزا في نشر العلم الشرعي، وتطوير التعليم المكتبي، والنهوض بتعليم المرأة المسلمة. ولا تزال جهوده العلمية والتربوية ومؤلفاته الإصلاحية شاهدة على عظيم عطائه، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

