الرئيسيةمقالاتمع الصائمين الحلقة الثانية 
مقالات

مع الصائمين الحلقة الثانية 

مع الصائمين

الحلقة الثانية

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ

نزول القرآن الكريم

عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: )نزِلَت صحُفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنزلَت التوراةُ لستٍّ مَضَين من رمضانَ، وأُنزِلَ الإنجيلُ لثلاثِ عشرةَ ليلةً خلَتْ من رمضانَ، وأُنزلَ الزَّبورُ لثمانِ عشرةَ خلَتْ من رمضانَ، وأُنزِلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرين خلَتْ من رمضانَ ( حسنه الألباني .

) قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور*لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30

ومن حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((إنَّ الله يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضَع به آخرين)). رواه مسلم .

أنزل الله القرآنَ الكريم معجزةً خالدةً، لقد نزل في أطهر بقعة، وأقدس مكان وافضل زمان، على خير إنسان النبيَّ صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم صاحب المقام المحمود والحوض المورود وتحدَّى به الثَّقَلَين من الإنس والجن ، فأذعن لفصاحته البُلغاء وانقاد لبلاغتهِ الحُكماء، وانبهر بأسراره العلماء وتعجب لنظمه الفصحاء، فأعجز كل أولاء وهؤلاء .

وفي الأثر عن علي بن أبي طالب أنه روى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه ما ذكره عن القرآن أنه: “كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿… إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ ﴾ [الجن: 1-2]، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ النحل: 89 ، وصَفَ الله كتابه هنا بصفاتٍ كثيرة، وهي التِّبيان، والهُدى، والرحمة، والبشرى، فالقرآن الكريم تبيانٌ وبيان تامٌّ لكلِّ ما يَحتاجه الإنسان في الحياة الدُّنيا0

القرآنُ الكتاب المتعبد بتلاوته المتحدى ببلاغته ، سميرَالمؤمنين وأنيس الصالحين ، وجليسَ السابقين على مرِّ الأيام والليالي والشهور والاعوام ودستور حياة المؤمنين .يسَّر ذِكْرَه للذاكرين، وسهَّل حفظه للدارسين، فهو ربيعُ القلوب ، ونور الأبصار و ضياءالافئدة وشفاء الصدور جعله الله نورًا ينتهي بسالكيه إلى جنات النعيم ، لا تمَلُّه القلوب، لا تتعب من تلاوته، لا يَخْلُق مع كثرة التَّرداد ولا نشبع من حلاوته ،شهِد الأعداء بعظمته وتصدَّعت القلوب والجبال من خشيته ،وتقشعر الجلود من جلالته ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 21

قال الوليد بن المغيرة: يا محمدُ، اقرأ عليَّ القرآن، فيقرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل: 90ولم يلبَث الوليد بن المغيرة أن يسجِّل اعترافه بعظمة القرآن قائلًا: “والله إن له لَحلاوةً، وإن عليه لَطَلاوةً، وإن أسفله لَمُورِقٌ، وإن أعلاه لَمُثمر، وما يقول هذا بشرٌ”.

القرآنُ أَخذ بأَلباب قلوبهم وملأَ شغاف أفئدتهملما سمِعه الجنَّ والإنس مسلمهم وكافرهم ، لم يملكوا أنفسهم؛ حين سمعوا قول الله : ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ النجم: 59 – 62 فسجدوا من هيبةً للقرآن وجلال البيان .

لقد تأثَّر الجن به ﴿ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ الجن: 1، 2

وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ﴾ الأحقاف: 29 لقد أصبحوا بفضل القرآن دعاةً إلى الله، فولَّوا إلى قومهم منذرين؛ ﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ﴾الأحقاف: 30

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا القرآن سببٌ، طَرَفُه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تضلوا، ولن تَهْلِكوا بعده أبدًا))صححه الألباني.

وعن زيد بنِ أرقم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ألَا وإني تاركٌ فيكم ثَقَلَين: أحدهما كتاب الله عز وجل، هو حبل الله، ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة))رواه مسلم .

من قرأ القرآن ماهرًا به، فهو يوم القيامة مع الملائكة السَّفَرَةِ الكِرام البَرَرة؛ فعن عائشة رضي الله عنها: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران)) متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((أما بعد؛ فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد))رواه مسلم

فمن أراد النجاةَ والفَلاح، فعليه بكتاب الله تعالى، ومن أراد الخير الكثير والأجر الوافر، فليقرأ كتاب الله .قال تعالى﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾

عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مَثَلُ الأُتْرُجَّة، ريحها طيِّب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها، وطعمها حلو))؛ متفق عليه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ﴿ الم ﴾ حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولام حرف، وميم حرف)) رواه الترمذي

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أيُحِبُّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجِدَ فيه ثلاث خَلِفات عِظام سِمان؟ قلنا: نعم قال: فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهن أحدكم في صلاةٍ خيرٌ له من ثلاث خلفات عظام سمان)) رواه مسلم.

وللقرآن الكريم مع أهله يوم القيامة مواقفُ عجيبة؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)) رواه مسلم.

وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُؤتَى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقدُمه سورة البقرة وآل عمران، تُحاجَّان عن صاحبهما)) رواه مسلم.

وعند تلاوة القرآن ومدارسته تتنزل الملائكة والسَّكِينة والرحمة؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ((كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بَشَطَنَينِ، فتغشَّتْهُ سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: تلك السَّكِينة تنزَّلت للقرآن)) متفق عليه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السَّكِينة، وغَشِيَتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذَكَرَهم الله فيمن عنده)) رواه مسلم.

وفي تلاوة القرآن الكريم أمانٌ بإذن الله من الغفلة؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قام بعشر آيات لم يُكتَب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتِب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من الْمُقَنْطَرين)) وصححه الألباني.

و أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن خيرَ الناس مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه؛ وأن أحقَّ الناس بالإمامة في الصلاة أقرؤهم، بل إن أهل القرآن لهم المكانة والرفعة ما ليس لغيرهم فقد خرج أمير المؤمنين عمرُ من المدينة إلى مكةَ، فاستقبله أميرها في الطريق، فقال له عمر: من خلَّفت في أهل الوادي، قال: خلفت فيهم ابن أبزى مولى من موالينا، قال: وخلَّفتَ فيهم مولى؟! قال: يا أمير المؤمنين، إنه حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قال: نعم، سمِعتُ نبيَّكم محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))، فالتفضيل بالإيمان والعمل، لا بالنسب والحسب. رواه مسلم

 

جمعه ونقحه/ محمود فوزي الموجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *