*ريشة وقلم وفنجان شاي*
*بقلم : دكتور محمد عوض سالم**
*المُروح: من ظل توت عنخ آمون إلى ظل نجم التنس*
كنت أتابع مباراة تنس عادية، حتى جلس اللاعب في فترة الاستراحة. ظهرت شابة تحمل شمسية كبيرة تظلله من الشمس. في تلك اللحظة عاد بي الزمن ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام إلى الوراء، ووجدت نفسي واقفاً أمام مقبرة توت عنخ آمون.
*المُروح: وظيفة ملكية لا يتولاها أي أحد*
في مصر الفرعونية، كان “المُروح” أو “حامل المروحة” منصباً رفيعاً. لم يكن أي شخص يمسك ريش النعام ويهوي على الملك. كان من حاشية القصر المقربة، ووظيفته أخطر من الحراسة ذاتها.
المروحة لم تكن أداة بسيطة، بل قطعة فنية. يدها من العاج أو الذهب، وريشها من نعام أفريقيا. مروحة الملك توت عنخ آمون التي عثر عليها في مقبرته بلغ طولها خمسين سنتيمتراً، وكل ريشة فيها موضوعة بحساب دقيق. فالهواء الذي يصل إلى الفرعون يجب أن يكون ملكياً حتى في نسيمه.
*من المعبد إلى ملعب التنس*
المُروح قديماً كان يقف ساعات تحت شمس الصعيد الحارقة. ظهره مستقيم، وذراعه ثابت، وعينه لا تفارق وجه الملك. لو توقفت المروحة لحظة واحدة، عُدّ ذلك إخلالاً بواجبه.
والشابة في ملعب التنس اليوم تقف نفس الوقفة، وبنفس التركيز، وتحمل نفس الفكرة: “أنا هنا لأصنع الظل”. الفرق أن المُروح الفرعوني كان يحمي إلهاً على الأرض، بينما تحمي فتاة التنس بطلاً يكسب الملايين. التاريخ يعيد نفسه، لكن الزي تغير.
*لماذا صارت وظيفة؟*
أدرك الفراعنة مبكراً أن الراحة جزء من السلطة. الملك إذا كان متعرقاً ومختنقاً فلن يحكم جيداً. فاخترعوا وظيفة كاملة لضمان نسمة هواء نظيفة له. تماماً كما نفعل اليوم حين نركب المكيف للمسؤول قبل أن نوفره للعامة.
وسيدنا يوسف عليه السلام حين تولى الوزارة، كان له بالتأكيد من يهوي عليه. لكن الفرق أن يوسف كان يهوي على الشعب كله بخطته لمواجهة السنين العجاف، لا على وجهه فقط.
*قبض المُروح: من القمح إلى الذهب*
البرديات كشفت لنا تفاصيل أجر المُروح. في بردية ويلبور وبرديات دير المدينة ورد أن “حامل المروحة الملكية” كان يتقاضى راتباً محترماً: ثلاثة أرادب قمح شهرياً، وجَرّتين من البيرة، وسمكاً مجفاً، وكتاناً للملابس. وإن كان من المقربين جداً مثل “آي” الذي صار فرعوناً بعد توت عنخ آمون، كان يحصل أيضاً على قطعة أرض صغيرة وبيت في المدينة.
أما المُروح الذي يهوي على المشرف، فكان يتقاضى نصف ذلك فقط. وكان الفرق بينهما يُسمى “القرب من الملك”. كلما اقتربت من الكرسي، كبر رغيفك.
لهذا السبب كان المُروح في المسلسلات التاريخية دائماً مبتسماً. ليس حباً في الهواء، بل حباً في القمح.
*الخلاصة*
المُروح لم يمت، لكنه غيّر اسمه فقط. مرة اسمه “حامل المروحة”، ومرة “مساعد اللاعب”، ومرة “موظف التكييف المركزي”. الوظيفة واحدة: توفير الراحة لمن في الأعلى.
فإذا رأيت شاباً واقفاً بمروحة، أو فتاة بشمسية، فاعلم أن هذه أقدم وظيفة في التاريخ. بدأت مع أول ملك قال “الجو حار”، ومازالت مستمرة حتى مباراة التنس القادمة.

