عشماوي.. يحكي بهدوء عن الموت ليوقظ في الناس حب الحياة - النايل نيوز
الرئيسية » عشماوي.. يحكي بهدوء عن الموت ليوقظ في الناس حب الحياة
مقالات

عشماوي.. يحكي بهدوء عن الموت ليوقظ في الناس حب الحياة

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

عشماوي.. يحكي بهدوء عن الموت ليوقظ في الناس حب الحياة

بقلم الإعلامية والكاتبة نرجس قدا

استوقفني رجب عشماوي في لقاءاته الإعلامية، ليس بسبب طبيعة المهنة التي مارسها، وإنما بسبب ذلك الهدوء الغريب الذي يتحدث به عن واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يقترب منها إنسان. رجل يروي تفاصيل شارك فيها على مدار سنوات طويلة، ويتحدث عن وجوه رآها في لحظاتها الأخيرة، وعن خوف وندم وانهيار، وعن أشخاص كانوا قبل دقائق من تنفيذ الحكم يحاولون التمسك بأي أمنية صغيرة.

ما لفت انتباهي أن الرجل لا يحتاج إلى رفع صوته أو المبالغة في وصف الأحداث حتى يجعلك تنصت إليه. يحكي ببساطة، لكنك تجد نفسك أمام تفاصيل تجبرك على التوقف والتفكير.

تخيلوا إنسانًا قضى سنوات من عمره في مواجهة هذه اللحظات، حتى أصبح قادرًا على وصف ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، ومع ذلك يظل هناك مشهد واحد يقول إنه لم يغادر ذاكرته، وهو أول محكوم عليه شاهده في بدايات عمله. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما حكاه: هل يعتاد الإنسان هذه المشاهد فعلًا، أم يتعلم فقط كيف يخفي أثرها؟

ومن أكثر ما أثار انتباهي حديثه عن المحكوم عليهم، وعن اختلاف ردود أفعالهم، وعن العزلة والانتظار واللحظات الأخيرة، حين تتحول أشياء بسيطة مثل وجبة طعام أو زجاجة عطر إلى أمنية أخيرة. تفاصيل تجعلك تدرك أن خلف كل حكم إنسانًا وصل إلى لحظة لا يستطيع فيها استرجاع حياته أو إصلاح قراراته.

لكن السؤال الذي أراه أهم من كل ذلك: ماذا يحدث للإنسان الذي ينفذ هذه الأحكام؟ هل يعود إلى منزله وينسى ما رآه؟ هل تبقى بعض الوجوه في ذاكرته؟ وهل يستطيع الفصل بين مهمته المهنية وحياته الإنسانية؟ لا نملك إجابة قاطعة عن نفسية عشماوي، لكن هدوءه أمام الكاميرا لا يكفي وحده للحكم على ما يحمله داخله.

أنا لا أتابع هذه اللقاءات بدافع الفضول تجاه الموت، وإنما أرى فيها فرصة لتوعية مجتمع لا يعرف كثيرًا عما يحدث قبل تنفيذ حكم الإعدام وبعد صدوره. وربما يستمع شاب إلى إحدى هذه الحكايات، فيعيد حساباته قبل أن يحول لحظة غضب إلى جريمة، أو ينتقامًا عابرًا إلى نهاية لا رجعة فيها.

رسالتي ليست تمجيدًا للموت، ولا احتفاءً بالعقوبة، وإنما دعوة إلى أن نفكر قبل أن نؤذي، وأن نغضب دون أن ندمّر، وأن نتذكر أن وراء كل جريمة ضحية وأسرة مكلومة، ووراء كل قرار متهور مستقبلًا قد يضيع إلى الأبد.

قد يكون أكثر ما نحتاج إليه من هذه اللقاءات أن نفهم أن الجريمة لا تنتهي عند لحظة ارتكابها، وأن الندم لا يعيد إنسانًا فقد حياته، ولا يمنح صاحبه دائمًا فرصة ثانية.

شكرًا لكل تجربة إعلامية تخرج بالمعلومة من خلف الأبواب المغلقة لتضع أمام المجتمع مرآة يرى فيها عواقب أفعاله، لعل إنسانًا يتراجع عن جريمة قبل وقوعها، ولعل حياة تُنقذ بكلمة وصلت في وقتها.

فليس أعظم ما يمكن أن تفعله حكاية عن الإعدام أن تجعلنا نتخيل الموت، بل أن تجعلنا نتمسك بالحياة ونحافظ على حياة الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *