خنزيرٌ في سجنِ الحرائر
بقلم إبراهيم الطير
دَخَلَ السِّجْنَ مُنْتَشِيًا
وَفِي عَيْنَيْهِ حِقْدٌ مُسْتَطِيرْ
يَمْشِي أَمَامَ الْحَرَائِرِ مَزْهُوًا
كَأَنَّ الظُّلْمَ صَارَ لَهُ مَصِيرْ
قَالَ: أَنَا مَنْ مَنَعْتُ عَنْكُنَّ الطَّعَامَ
وَمَنَعْتُ الدَّوَاءَ وَكُلَّ خَيْرْ
أَنَا مَنْ حَرَمْتُكُنَّ الْمَاءَ عَمْدًا
وَمَنَعْتُ عَنْكُنَّ زِيَارَةَ الْأَسِيرْ
فَأَطْرَقْنَ لَحْظَةً… ثُمَّ قُلْنَ لَهُ:
أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلظُّلْمِ يَوْمًا عَسِيرْ؟
وَأَنَّ السِّجْنَ لَا يَكْسِرُ حُرَّةً
وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ حِصْنٌ مُنِيرْ
يَا مَنْ تَظُنُّ بِأَنَّ الْقَيْدَ يَهْزِمُنَا
وَأَنَّ الْجُوعَ يُطْفِئُ فِينَا الْأَنِينَ الْمَرِيرْ
نَحْنُ بَنَاتُ الْعِزِّ لَا نَنْحَنِي
وَلَوْ طَالَ بِنَا لَيْلُ سِجْنٍ عَسِيرْ
قَدْ تَحْرِمُ الْجَسَدَ مِنْ لُقْمَةٍ
وَقَدْ تَمْنَعُ الْمَاءَ وَالدَّوَاءَ وَالنُّورْ
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْلُبَنَا
يَقِينًا بِرَبٍّ عَزِيزٍ غَفُورْ
سَنَصْبِرُ… وَالصَّبْرُ لَيْسَ اسْتِكَانَةً
وَلَكِنَّهُ وَعْدُ قَلْبٍ صَبُورْ
فَرَبُّ الْمُعْتَصِمِ حَيٌّ لَا يَمُوتُ
وَرَبُّ الْأَسِيرَاتِ رَبٌّ قَدِيرْ
فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَصِمُ قَدْ غَابَ يَوْمًا
فَرَبُّ الْمُعْتَصِمِ بَاقٍ وَنَصِيرْ
وَسَوْفَ يَأْتِي مِنَ الْحَقِّ يَوْمٌ
تُرَدُّ بِهِ الْمَظَالِمُ وَالْأُمُورْ
وَسَيُسْأَلُ كُلُّ ظَالِمٍ عَنْ يَدَيْهِ
وَعَنْ كُلِّ قَلْبٍ أَذَاهُ الْغُرُورْ
وَعَنْ كُلِّ أُمٍّ بَكَتْ فِي الْخَفَاءِ
وَعَنْ كُلِّ حُرَّةٍ دَعَتْ رَبَّهَا الْغَفُورْ
لَا تَفْرَحْ كَثِيرًا بِضَعْفِ الْأَسِيرَاتِ
فَرَبُّ السَّمَاءِ أَعَدَّ لَهُنَّ مَسَاكِنَ مِنْ نُورْ
وَقَدْ يُمْهِلُ الطُّغْيَانَ حِينًا طَوِيلًا
فَاحْذَرْ غَدًا أَنْ تَرَى الْأَرْضَ بِكَ تَغُورْ
يَا حَرَائِرَ خَلْفَ الْقُضْبَانِ صَبْرًا
فَأَنْتُنَّ عَلَى الْحَقِّ رَغْمَ الذُّلِّ وَالْجَوْرْ
سَيَأْتِي الصَّبَاحُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ
وَيُكْسَرُ قَيْدٌ وَيُشْرِقُ نُورْ
وَسَيَكْتُبُ التَّارِيخُ يَوْمًا
عَنْ صَبْرِكُنَّ لِإِرْضَاءِ رَبٍّ غَفُورْ
هُنَا صَمَدَتْ حَرَائِرُ رَغْمَ الْعَذَابِ
وَهُنَا سَقَطَ الظُّلْمُ… وَبَقِيَ النُّورْ
فَلَا تَنْحَنِي يَا أَسِيرَةَ عِزٍّ
فَرَبُّكِ أَقْرَبُ مِنْ كُلِّ جَوْرْ
وَإِنْ ضَاقَ بِكِ اللَّيْلُ يَوْمًا
فَبَعْدَ الظَّلَامِ يَجِيءُ الصَّبَاحُ بِالسُّرُورْ


