بائع الكتب
حارس الوعي لا مجرد تاجر
بقلم: أمير صايري
ليس بائع الكتب شخصا يقف خلف رفوف صامتة، يعد العناوين ويحسب الأرباح، بل هو في جوهره وسيط وعي، وحارس بوابة فكرية يعبر منها القارئ إلى عوالم تشكل عقله، وتعيد ترتيب رؤيته للحياة. إن بيع الكتب ليس فعلا تجاريا محضا، بل مسؤولية ثقيلة، لأن الكتاب ليس سلعة عادية، بل رسالة، وفكرة، وبذرة وعي قد تنمو أو تنحرف بحسب من يضعها في يد القارئ.
بائع الكتب الحقيقي هو قارئ قبل أن يكون بائعا، وموجه قبل أن يكون وسيطا. عليه أن يصغي قبل أن يقترح، وأن يفهم القارئ قبل أن يرشده. فالقارئ ليس كتلة واحدة، ولا ذائقة موحدة؛ هناك من يخطو خطواته الأولى في عالم القراءة، وهناك من تمرس وتعمق، وهناك من يبحث عن المتعة، ومن يفتّش عن المعنى، ومن يداوي جرحا خفيا بكتاب.
حين يأتي قارئ للمرة الأولى، مترددا أو متحمسا بلا بوصلة، فإن دفعه نحو الكتب الضخمة أو الكلاسيكيات الثقيلة قد يكون ظلما له، ونفورا مبكرا من القراءة نفسها. الحكمة هنا أن يقدم له كتاب متوسط الحجم، سهل اللغة، مشوق الفكرة، يفتح له الباب بدل أن يغلقه. فالدخول إلى القراءة يجب أن يكون دعوة لطيفة، لا اختبار تحمل.
أما معرفة توجهات القارئ فهي جوهر هذه المهنة النبيلة. هل يميل إلى الخوف؟ إلى الحب؟ إلى الرواية الاجتماعية؟ إلى الفلسفة؟ إلى السيرة؟ كل ميول هي مفتاح، وعلى بائع الكتب أن يعرف أي باب يفتح، ومتى. الكتاب الذي يمنح في الوقت الخطأ قد يساء فهمه، بينما الكتاب المناسب في اللحظة المناسبة قد يغير حياة كاملة.
وتتعاظم هذه المسؤولية حين يتعلق الأمر بالأطفال. فالطفل ليس قارئا مصغرا للكبار، بل عالم مختلف، حساس، قابل للتشكل. لا يجوز أن تلقى في يده كتب الرعب، أو الأفكار المعقدة، أو العوالم التي تتجاوز نضجه العقلي والنفسي. هنا يصبح بائع الكتب شبيها بالمربي، يحمي خيال الطفل بدل أن يربكه، ويغذي فضوله دون أن يجرحه.
من هذا المنطلق، فإن دور بائع الكتب دور أخلاقي بقدر ما هو ثقافي. إنه يشارك، ولو بصمت، في تشكيل الذائقة العامة، وفي توجيه الوعي الجمعي. قد لا يكتب الكتب، لكنه يختار لمن تكتب حياتهم القادمة. وهذا ما يجعل هذه المهنة أخطر وأشرف من كثير من المهن الأخرى.
بائع الكتب ليس بائع أوراق مطبوعة، بل صانع مسارات. وكل كتاب يمر عبر يده هو أمانة: إما أن يسلمها بوعي، أو يفرط فيها بلا إدراك. وفي زمن تتزاحم فيه الأصوات وتختلط فيه المعاني، يصبح بائع الكتب الجيد ضرورة ثقافية، لا ترفا، وحارسا للوعي في عالم مهدد بالسطحية والنسيان.
بقلم الكاتب أمير صايري

