الرئيسيةاخبارنصيحة العمر… بقلم ريهام عبد الواحد
اخبارمحافظاتمقالات

نصيحة العمر… بقلم ريهام عبد الواحد

ليس كل قربٍ أمان، وليس كل دفءٍ يعني البقاء.
فبعض العلاقات تبدأ وكأنها وطن، ثم تكتشف مع الوقت أنها كانت مجرد محطة عابرة في طريق طويل من التعلّم والنضج. ولهذا، فإن أكثر الناس راحةً ليسوا أولئك الذين لم يتعلقوا بأحد، بل الذين أحبّوا بوعي، وأعطوا بميزان، وحافظوا على أنفسهم وسط زحام المشاعر.

في بدايات العلاقات، يندفع القلب بعفويته الجميلة؛ نحكي دون حساب، ونثق دون تردد، ونظن أن من احتوانا اليوم سيبقى دائمًا كما هو.
فنمنحهم المساحات التي كنا نخشى أن يدخلها أحد، ونكشف لهم أجزاءً هشّة من أرواحنا، معتقدين أن الصدق وحده كافٍ لحماية القلوب من الانكسار.
لكن الحياة مع الوقت تعلّمنا أن القلوب البشرية متقلبة، وأن المشاعر مهما بلغت قوتها قد تتغير تحت ضغط الظروف، أو سوء الفهم، أو فتور الأيام.

ولذلك، لا تبنِ حياتك كلها على شخص، مهما بدا لك ثابتًا ومخلصًا.
لا تجعل سعادتك معلّقة برسالة، ولا راحتك مرتبطة بصوت، ولا قيمتك مستمدة من اهتمام أحدهم بك.
فمن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه أن يسلّم مفاتيح طمأنينته بالكامل للبشر، ثم يندهش حين تتبدل الأحوال.

كن محبًا… نعم، ولكن بعقلٍ حاضر.
اقترب من الناس، واسندهم، وشاركهم أفراحهم وأحزانهم، لكن لا تذُب فيهم حتى تنسى نفسك.
احتفظ دائمًا بجزءٍ منك لك، بمساحة هادئة لا يدخلها أحد، تعرف فيها من أنت بعيدًا عن تصفيق الناس أو خذلانهم.

تعلّم أن تضع حدودًا واضحة حتى مع أكثر الأشخاص قربًا إلى قلبك.
فالحدود ليست قسوة، بل نضج.
ليست أنانية، بل احترام للنفس وللعلاقة معًا.
لأن العلاقات حين تخلو من التوازن تتحول مع الوقت إلى عبءٍ ثقيل، ويصبح العطاء استنزافًا، والاهتمام انتظارًا مؤلمًا، والتعلق خوفًا دائمًا من الفقد.

ولا تُفاجأ إن تغير أحدهم يومًا، فالتغير طبيعة بشرية.
قد يأتي يوم يصبح فيه الشخص الذي كان يطمئنك مشغولًا عنك، أو باردًا تجاهك، أو مختلفًا تمامًا عما عرفته.
وهذا لا يعني دائمًا سوءًا أو خيانة، بل هي سنة الحياة؛ القلوب تتبدل، والظروف تعيد تشكيل الناس، والمشاعر تمر بمواسم قوة وضعف.

لذلك، كن رحيمًا في علاقاتك، ولا تبالغ في التوقعات.
فكلما رفعت سقف الانتظار، اتسعت مساحة الخيبة.
أحب الناس لأن الحب خُلُق جميل، لا لأنك تنتظر منهم أن يملؤوا فراغ روحك بالكامل.

وتذكر دائمًا أن الإنسان حين يعلّق قلبه بالبشر وحدهم، يعيش قلقًا لا ينتهي؛ يخاف من البعد، ويتألم من التغير، ويرتجف من فكرة الفقد.
أما حين يكون القلب معلّقًا بالله أولًا، فإنه يحب الناس براحة، ويعطيهم دون خوف، ويتقبل تغيرهم دون أن ينهار.

فالله وحده هو الثابت حين يتغير كل شيء.
وهو الأمان الذي لا يرحل، والسند الذي لا يتبدل، والطمأنينة التي لا تخذل صاحبها أبدًا.

اجعل علاقتك بالله هي الأصل، وكل علاقة بعدها فرع.
فإذا انكسر فرع، بقي الأصل ثابتًا يحميك من السقوط.
وإذا خذلك البشر يومًا، وجدت باب الله مفتوحًا لا يغلق، ورحمةً لا تنقطع، وقلبًا يطمئن بذكره مهما ازدحمت الدنيا بالتقلبات.

وفي النهاية…
لا تمنع نفسك من الحب، ولا تعش خائفًا من الناس، لكن تعلّم الاتزان.
أعطِ بقلبٍ صادق، وابتسم بود، وكن لينًا في تعاملك، لكن لا تفقد نفسك في سبيل الاحتفاظ بأحد.
فأجمل العلاقات هي تلك التي تمنحك دفئًا دون أن تسلبك سلامك، وتقربك من نفسك ومن الله، لا تلك التي تجعلك تعيش أسيرًا للقلق والتعلق والخوف.

علّق قلبك بالله…
ثم أحب الناس كما شئت، فلن يؤذيك التغير كثيرًا ما دام في داخلك يقينٌ أن ما عند الله أبقى وأوفى وأرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *