بين العُزلة والوِحدة
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليس كلُّ انفرادٍ عزلة، ولا كلُّ صمتٍ وحدة؛ فبينهما على اشتراك الظاهر بونٌ بعيد، وفرقٌ دقيق لا يُدركه إلا من جرّب حال النفس في حضورها مع ذاتها، وحالها في غيابها عنها. فالعزلة اختيارٌ يقصده المرء لغاية، والوِحدة حالةٌ تقع عليه وإن لم يقصدها؛ العزلة سكونٌ مُثمِر، والوِحدة فراغٌ مُثقِل.
قد يعتزل الإنسانُ الناسَ ليُراجع فكره، أو يُصفّي شعوره، أو يستجمع قواه بعد تفرّقها في شواغل الحياة. فهو في عزلته حاضرٌ لنفسه، مُقبِلٌ عليها، يُنصت إلى حديثها، ويُقوّم اعوجاجها، ويستخرج منها ما خفي. فهي وإن بدت انقطاعًا عن الآخرين اتصالٌ أعمق بالذات، وعودةٌ إلى الأصل بعد تشتّتٍ في الفروع.
أما الوحدة، فشيءٌ آخر؛ هي انقطاعٌ بلا تعويض، وفراغٌ بلا امتلاء. قد يكون الإنسان بين الناس، ومع ذلك يُعانيها؛ لأنه لا يجد فيمن حوله ما يأنس إليه، ولا في داخله ما يسكن به. فهو في وحدته غريبٌ عن العالم، وغريبٌ عن نفسه، لا يملك وجهةً يعود إليها، ولا معنىً يستقرّ عنده.
ومن هنا، كان الفارق بينهما فارقًا في المعنى لا في المظهر. فقد يجلس رجلٌ في خلوةٍ هادئة، يكتب أو يتأمّل، وهو في أتمّ الأُنس، لأنه يعيش مع فكرةٍ تُغذّيه، أو غايةٍ تُحرّكه. وقد يجلس آخر في مجلسٍ صاخب، تحيط به الوجوه، وتتعالى فيه الأصوات، وهو في أعمق الوحدة، لأن قلبه خالٍ من الصلة، وعقله تائهٌ بلا وجهة.
غير أن الإنسان بطبعه لا يطيق الإفراط في أيٍّ من الحالين؛ فإن طالت العزلة، انقلبت إلى وحدة، وإن استبدّت الوحدة، أورثت ضعفًا وقلقًا. فالحكمة إذن في التوازن: أن يعتزل المرء حين يحتاج إلى نفسه، وأن يُخالط حين يحتاج إلى غيره. فكما أن النفس تفسد بكثرة الضجيج، فإنها تذبل بكثرة الفراغ.
وقد يخطئ بعض الناس فيحسب العزلة هروبًا، ويعدّ الوحدة قدرًا لا يُدفع. والصواب أن العزلة إذا حُسنت نيتها شجاعةٌ لا فرار، لأنها مواجهةٌ للنفس بلا ساتر. أما الوحدة، فليست قدرًا محتومًا، بل هي في كثيرٍ من الأحيان نتيجةُ انقطاع الصلة، إمّا بالناس، أو بالمعنى، أو بكليهما. فإذا وُجد المعنى، خفّت وطأتها، وإذا استُعيدت الصلة، زال ثقلها.
ومن لطيف ما يُلحظ، أن العزلة تُنضج الفكر، لأنها تُتيح له أن ينمو بعيدًا عن المؤثرات الكثيرة، وأن يتشكّل في هدوء. أما الوحدة، فإنها تُربك الفكر، لأنها تُغرقه في الفراغ، وتُشتّت انتباهه، وتُثقله بإحساس الفقد. فالأولى تُنتج، والثانية تُضعف، وإن تشابهتا في الصورة.
ثم إن العزلة في جوهرها فعلٌ إيجابي، لأنها اختيارٌ لشيء: للتأمّل، أو للتعلّم، أو للراحة. أما الوحدة، فهي في كثيرٍ من وجوهها سلبٌ وغياب: غياب الأُنس، وغياب المشاركة، وغياب الشعور بالانتماء. ولهذا كان من أحسن التدبير، أن يملأ الإنسان خلوته بما يُغذّي روحه، حتى لا تنقلب عليه وحدةً تُرهقه.
وليس المقصود أن يفرّ المرء من الوحدة كلّها، فإن فيها أحيانًا ما يدعو إلى مراجعة النفس، واكتشاف مواضع الخلل في علاقاته ومعانيه. ولكن المقصود ألا يستسلم لها، ولا يُقيم فيها مقامًا دائمًا، بل يجعلها جسرًا يعبر به إلى فهمٍ أعمق، لا مستقرًّا يُقيم فيه.
وخلاصة القول، أن العزلة والوحدة حالتان تتجاوران في الظاهر، وتفترقان في الباطن؛ فالعزلة امتلاءٌ في صورة فراغ، والوحدة فراغٌ في صورة امتلاء. ومن عرف هذا الفرق، أحسن أن يختار لنفسه متى يعتزل، ومتى يُخالط، فلا يُرهقه الضجيج، ولا يُثقله الفراغ.
فاجعل لعقلك نصيبًا من العزلة يُنضجه، ولروحك نصيبًا من الأُنس يُنعشها، ولا تترك نفسك للوحدة تُثقلها. فإن الحياة على سعتها لا تُحتمل إلا بتوازنٍ دقيق بين أن تكون مع نفسك، وأن تكون مع غيرك؛ فإذا استقام هذا التوازن، استقام ما سواه.

