سلسلة: تأملات في الإنسان والحياة | رؤية من زاوية أخرى
الحلقة 16 | العقل وصناعة الأنماط… متى تكون العلاقة حقيقة ومتى تكون مصادفة؟
بقلم: د. أحمد الجندي — كاتب وباحث علمي
هل حدث أن فكرت في شخص، وبعد دقائق تلقيت منه اتصالًا؟
أو لاحظت أن أمرًا معينًا يتكرر معك، فبدأت تشعر أن هناك علاقة خفية بينه وبين شيء آخر يحدث في حياتك؟
وربما مررت بتجربة سيئة، ثم وجدت موقفًا يشبهها، فقلت لنفسك: كنت أعلم أن الأمر سيتكرر!
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل اكتشفت بالفعل علاقة بين الأحداث، أم أن عقلك ربط بينها لأنك أصبحت تتوقع هذا الارتباط؟
في الحلقة السابقة، تأملنا كيف تؤثر الذاكرة في فهمنا للحاضر. واليوم نخطو خطوة أخرى: كيف يستخدم العقل خبراته السابقة لاكتشاف الأنماط، ومتى تساعدنا هذه القدرة على الفهم، ومتى تجعلنا نرى روابط قد لا تكون موجودة؟
فليس كل ما يتكرر دليلًا على وجود علاقة، وليس كل ما يبدو مترابطًا يحمل سببًا واحدًا.
لماذا يبحث العقل عن الأنماط؟
العالم من حولنا مليء بالتفاصيل والأحداث المتغيرة، ولو تعاملنا مع كل شيء باعتباره حدثًا منفصلًا، لأصبح فهم الحياة أكثر صعوبة.
لهذا يحاول العقل ملاحظة أوجه التشابه، وربط الأحداث المتقاربة، واكتشاف ما يتكرر.
فالطفل يتعلم أن بعض الأفعال تؤدي إلى نتائج معينة، والإنسان يتعرف على الوجوه من ملامحها، ويستفيد من التجارب السابقة لتوقع ما قد يحدث لاحقًا.
وحين تلاحظ أن طريقًا معينًا يكون مزدحمًا في وقت محدد، تبدأ في اختيار موعد آخر للخروج. وحين تلاحظ أن أسلوبًا معينًا في التعامل يسبب خلافات متكررة، تحاول تغييره.
في هذه الحالات، يساعدنا اكتشاف الأنماط على التعلم واتخاذ قرارات أفضل.
لكن القدرة نفسها قد تقودنا إلى استنتاجات متسرعة إذا تعاملنا مع كل تشابه باعتباره دليلًا على وجود علاقة حقيقية.
العقل لا يكتفي باستقبال ما يحدث؛ بل يحاول تنظيمه وفهمه وتوقع ما سيأتي بعده.
عندما تتحول المصادفة إلى دليل في نظرنا
لنفترض أنك ارتديت قميصًا معينًا في يوم حققت فيه نجاحًا مهمًا، ثم ارتديته مرة أخرى وحدث لك أمر سعيد.
قد تبدأ في الشعور بأن هذا القميص يجلب الحظ.
لكن هل القميص هو الذي تسبب في النتيجة؟ أم أن الحدثين تزامنا بالمصادفة، فربط عقلك بينهما؟
المثال بسيط، لكنه يكشف فكرة مهمة.
قد يحدث أمران في وقت متقارب، أو يتكرران معًا أكثر من مرة، دون أن يكون أحدهما سببًا في الآخر.
وفي حياتنا اليومية، قد نربط بين تأخر شخص في الرد وبين غضبه منا، أو بين فشل تجربة وقرار اتخذناه قبلها، أو بين حدثين متتابعين فنفترض أن الأول تسبب في الثاني.
لكن التتابع وحده لا يكفي لإثبات السببية.
فقد يكون هناك سبب آخر لم نلاحظه، أو عامل مشترك أثر في الحدثين، أو قد يكون ما رأيناه مجرد مصادفة.
وهنا تظهر أهمية السؤال قبل إصدار الحكم: ما الدليل الذي يجعلني أعتقد أن هذه العلاقة حقيقية؟
لماذا نلاحظ ما يؤكد أفكارنا؟
تخيل أنك بدأت تعتقد أن شخصًا معينًا لا يهتم بك.
بعد ذلك، قد تلاحظ تأخره في الرد، أو قلة حديثه معك، أو انشغاله عن بعض المناسبات.
كل موقف جديد قد يبدو لك تأكيدًا لما تعتقده بالفعل.
لكن ماذا لو كان هذا الشخص يمر بظروف صعبة؟ وماذا لو كنت تتذكر المواقف التي تؤكد شكك أكثر من المواقف التي تعامل فيها معك باهتمام؟
قد لا تكون المشكلة في الوقائع وحدها، بل في الطريقة التي نختار بها ما نلاحظه، وما نتذكره، وما نعتبره دليلًا.
وهذا ما يُعرف بالانحياز التأكيدي؛ أي الميل إلى الانتباه للمعلومات التي تدعم اعتقادًا سابقًا، أو تفسيرها بطريقة تؤيده، مع إهمال معلومات قد تتعارض معه.
وقد يحدث ذلك دون تعمد أو سوء نية.
فحين نقتنع بفكرة، يصبح من السهل أن نرى العالم من خلالها، وأن نبحث عن شواهد تؤكدها بدلًا من اختبارها.
أحيانًا لا نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن دليل يطمئننا إلى أننا كنا على حق.
المصفوفة بين العلاقة الحقيقية والعلاقة المتخيلة
في رحلتنا السابقة، تناولنا المصفوفة بوصفها عناصر ترتبط ببعضها، وأن فهم العنصر قد يتغير بحسب موقعه وعلاقاته وسياقه.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين وجود علاقة فعلية بين عنصرين، وبين اعتقادنا أن العلاقة موجودة.
فليس كل عنصرين يظهران معًا مرتبطين بالضرورة، وليس كل تكرار دليلًا على وجود نظام يحكم الأحداث.
لنتأمل مثالًا من الحياة العملية.
لاحظ مدير أن بعض الموظفين الذين يصلون مبكرًا يحققون نتائج أفضل. قد يفترض أن الوصول المبكر هو السبب المباشر في ارتفاع الأداء.
لكن ربما يكون هؤلاء الموظفون أكثر تنظيمًا من البداية، أو يمتلكون خبرة أكبر، أو يعملون في ظروف مختلفة.
إذا اكتفى المدير بالملاحظة الأولى، فقد يبني قراره على تفسير غير مكتمل.
أما إذا فحص عوامل أخرى، وقارن بين الحالات، وبحث عن أدلة إضافية، فسيكون أقرب إلى فهم العلاقة الحقيقية.
وهكذا لا تكتمل المصفوفة بمجرد جمع العناصر وربطها بخطوط في أذهاننا.
بل نحتاج إلى أن نعرف: هل الروابط التي نراها موجودة فعلًا، وما الذي يدعم تفسيرنا لها؟
كيف نختبر ما نعتقد أننا اكتشفناه؟
ليس مطلوبًا أن نشك في كل شيء، أو أن نعامل كل ملاحظة باعتبارها خطأ محتملًا.
لكن من المفيد أن نميز بين الملاحظة والاستنتاج.
إذا لاحظت أن موقفًا معينًا يتكرر، فابدأ بوصف ما حدث دون إضافة تفسير فوري.
ثم اسأل نفسك: هل تكرر الموقف مرات كافية حتى أعتبره نمطًا؟ وهل توجد حالات تخالف ما أعتقده؟ وهل يمكن أن يكون هناك سبب آخر يفسر ما أراه؟
حاول أيضًا أن تبحث عن دليل قد يغيّر رأيك، لا عن دليل يؤيده فقط.
فإذا كنت تعتقد أن شخصًا يتعمد تجاهلك، لاحظ الوقائع المختلفة، ولا تحصر انتباهك في المواقف التي تثير شكك.
وإذا اعتقدت أن أسلوبًا معينًا يؤدي دائمًا إلى النجاح، فاسأل عن الظروف التي نجح فيها، والحالات التي لم ينجح فيها، والعوامل الأخرى التي ربما ساهمت في النتيجة.
هذه الطريقة لا تمنحنا يقينًا مطلقًا، لكنها تساعدنا على بناء أحكام أكثر توازنًا.
والأهم أنها تمنحنا القدرة على تعديل أفكارنا عندما تظهر معلومات جديدة.
متى يصبح البحث عن الأنماط فخًا؟
يصبح الأمر مرهقًا عندما نحاول تفسير كل تفصيلة، وربط كل حدث بآخر، والبحث عن معنى خفي وراء كل ما يحدث.
قد نرى إشارة في مصادفة عابرة، أو نعتبر الصمت رسالة مقصودة، أو نفسر اختلافًا بسيطًا باعتباره دليلًا على تغير علاقة كاملة.
ومع الوقت، قد تتحول الرغبة في الفهم إلى مصدر للقلق، لأننا لا نترك للأحداث مساحة لأن تكون عادية أو غير مترابطة.
ليس لكل حدث معنى خفي نحتاج إلى اكتشافه، وليس كل تزامن يحمل رسالة، وليس كل تشابه دليلًا على قانون ثابت.
وأحيانًا تكون الإجابة الأدق هي أننا لا نملك معلومات كافية للحكم.
الاعتراف بأننا لا نعرف بعد، ليس ضعفًا في التفكير، بل جزء من التفكير السليم.
من ملاحظة النمط إلى فهم الحقيقة
العقل الذي يربط بين الأحداث هو نفسه العقل القادر على مراجعة الروابط التي صنعها.
يمكننا أن نستخدم خبراتنا السابقة دون أن نجعلها أحكامًا نهائية، وأن نلاحظ التكرار دون أن نفترض السببية، وأن نبحث عن المعنى دون أن نفرض معنى على كل شيء.
وهنا نعود إلى الفكرة التي صاحبت رحلتنا منذ بدايتها: ليست المشكلة دائمًا في الأشياء التي نراها، بل قد تكون في الطريقة التي نربط بها هذه الأشياء ونفسرها.
فقد نلاحظ علاقة صحيحة، فنقترب من فهم أعمق.
وقد نرى تشابهًا عابرًا، فنمنحه معنى أكبر مما يحتمل.
والفارق بين الحالتين ليس قوة إحساسنا بأننا اكتشفنا شيئًا، بل جودة الأدلة التي نستند إليها، واستعدادنا لاختبار ما نعتقده.
السؤال الذي يفتح باب الحلقة القادمة
لقد تأملنا كيف يبحث العقل عن الأنماط، وكيف يمكن أن تساعدنا هذه القدرة على فهم العالم، أو تقودنا إلى روابط غير مؤكدة عندما نستعجل التفسير.
لكن الإنسان لا يفهم العالم بالملاحظة وحدها.
إنه يستخدم الكلمات والرموز والإشارات ليختصر الأشياء، وينقل الأفكار، ويحفظ المعرفة، ويمنح ما يراه أسماء ومعاني.
فالكلمة ليست الشيء نفسه، والخريطة ليست المكان، والرمز ليس بالضرورة المعنى الكامل الذي يشير إليه.
ومع ذلك، نستطيع من خلال هذه الوسائل أن نفهم أشياء لا يمكننا حملها أو رؤيتها كلها في وقت واحد.
فكيف استطاع الإنسان أن يختصر عالمًا واسعًا من التجارب والأفكار في كلمات ورموز، وأن يجعل هذه الرموز وسيلة للفهم والتواصل؟
هذا ما سنقترب منه في الحلقة القادمة.
الحلقة 17: الرمز واللغة… كيف اختصر الإنسان العالم؟
—
د. أحمد الجندي — كاتب وباحث علمي
شبكة النايل الإخبارية

