ملحمة السويس 24 أكتوبر 1973.. بطولة المقاومة الشعبية
الرئيسية » 24 أكتوبر 1973.. ملحمة السويس الخالدة وذكرى انكسار شارون أمام المقاومة الشعبية
مقالات

24 أكتوبر 1973.. ملحمة السويس الخالدة وذكرى انكسار شارون أمام المقاومة الشعبية

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

24 أكتوبر 1973.. ملحمة السويس الخالدة وذكرى انكسار شارون أمام المقاومة الشعبية

كتب: المؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1973، سطّر أبناء مدينة السويس واحدة من أعظم صفحات البطولة في تاريخ مصر الحديث،

حين تصدوا لمحاولة القوات الإسرائيلية اقتحام المدينة واحتلالها، لتتحول شوارع السويس ومبانيها إلى ساحات للمقاومة،

ويصبح هذا اليوم رمزًا للصمود الشعبي الذي أفشل مخططات العدو وأجبره على التراجع.

 

لم يكن العدو الإسرائيلي قد تخلى عن محاولاته لتحقيق مكسب عسكري سريع، مستندًا إلى دعم الولايات المتحدة الأمريكية،

أملاً في تحسين موقفه التفاوضي عقب إعلان وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر 1973.

لكنه لم يحترم القرار، واندفع بقواته عبر الثغرة في اتجاه السويس، بعدما تعذر عليه تحقيق أهدافه في الإسماعيلية خلال الأيام السابقة.

 

وبعد قصف المدينة الباسلة بمختلف أنواع الأسلحة، من الطيران والمدفعية والدبابات، حاولت القوات الإسرائيلية إرهاب السكان ودفعهم إلى الاستسلام، عبر مكبرات الصوت.

غير أن حسابات العدو اصطدمت بحقيقة لم يدركها: أن السويس لم تكن مدينة خالية من أهلها، بل كانت مدينة يقظة، يتقدم أبناؤها للدفاع عنها بإيمان لا يتزعزع وإرادة لا تلين.

 

الشيخ حافظ سلامة.. صوت المقاومة ورفض الاستسلام

 

في تلك اللحظات الفاصلة، ظهر المعدن الأصيل للشعب المصري، وتجسدت روح المقاومة الشعبية التي قادها الشيخ حافظ سلامة، أحد أبرز رموز المقاومة في السويس.

 

وتروي شهادات عن تلك الأيام أن بعض المسؤولين مالوا إلى فكرة التسليم، اعتقادًا منهم أن ذلك قد يجنب المدينة مزيدًا من الدمار والخسائر.

وعندما توجه العميد عادل إسلام، قائد القوات المسلحة بالمدينة، لاستطلاع رأي الشيخ حافظ سلامة ورجاله،

جاء الرد حاسمًا، رافضًا الاستسلام، ومحذرًا من أن تسليم المدينة قد يكشف القوات المصرية المحاصرة شرق القناة ويضاعف حجم الخسائر.

 

وكان موقف الشيخ حافظ سلامة واضحًا: الحرية والكرامة لا تقبلان المساومة، والدفاع عن المدينة واجب لا تراجع عنه.

وأمام هذا الثبات، أعلن العميد عادل إسلام انضمامه إلى صفوف المقاومة الشعبية، في مشهد يعكس وحدة الجيش والشعب في مواجهة العدوان.

 

واصل الشيخ حافظ سلامة ورجاله تعبئة الأهالي معنويًا، وأذاع من مسجد الشهداء نداءً مضادًا لإنذارات القوات الإسرائيلية، داعيًا إلى الثبات والمقاومة.

وتحولت المدينة إلى جبهة شعبية متماسكة، شارك فيها الأهالي والفدائيون والجنود، حتى أصبحت مهمة اقتحامها أكثر صعوبة على القوات المهاجمة.

 

قاذفا «آر بي جي» وست قذائف في مواجهة الدبابات

 

ومن أكثر المشاهد دلالة على شجاعة أبطال السويس، ما رواه أحد المشاركين في المقاومة الشعبية خلال برنامج أُذيع في أكتوبر 2010، عن الإمكانات المحدودة التي واجه بها الفدائيون دبابات العدو.

 

فبحسب شهادته، لم يكن لدى المجموعة التي تصدت للدبابات سوى قاذفين من طراز «آر بي جي»، وست قذائف فقط.

وحصل المقاومون على أحد القاذفين من غرفة كانت تُستخدم لتخزين الأسلحة في مستشفى السويس،

حيث كانت تُجمع أسلحة الجنود المصريين الجرحى والشهداء الذين يصلون إلى المستشفى، بينما جاء القاذف الآخر من أحد جنود المهمات.

 

بهذه الإمكانات المحدودة، نصب الفدائيون كمينًا للدبابات الإسرائيلية عند مدخل إحدى دور السينما،

وتمكنوا من إصابة عدد منها، في مواجهة كشفت الفارق بين التفوق في العتاد والقدرة على القتال بإرادة راسخة ومعرفة دقيقة بشوارع المدينة.

 

وتذكر الرواية أن إصابة إحدى الدبابات أثارت الذعر بين أفراد طاقمها، وأن الدبابة توقفت في الطريق، فعطلت حركة الدبابات التي خلفها.

ومع تصاعد حالة الارتباك والانسحاب، استغل الأهالي الموقف، وأشعلوا النيران في عدد من الدبابات المتروكة، وفقًا للشهادة التي نقلها الراوي.

 

لقد أثبت أبناء السويس أن السلاح المحدود، حين يقترن بالشجاعة وحسن استغلال المكان، يمكن أن يربك قوة مدرعة متقدمة ويحول تقدمها إلى مأزق عسكري.

 

شهادات إسرائيلية تكشف حقيقة ما جرى داخل السويس

 

لم تقتصر روايات المعركة على الشهادات المصرية؛ فقد نقلت كتابات وشهادات إسرائيلية مشاهد من المواجهة كشفت أن القوات المهاجمة لم تجد المدينة التي توقعتها.

 

ففي رواية منسوبة إلى أحد الجنود الإسرائيليين في كتاب «التقصير»،

يرد أن الاعتقاد بأن السويس خالية من السكان كان خاطئًا، وأن الأهالي الذين بقوا في المدينة انضم إليهم عناصر من الجيش المصري،

إلى جانب مجموعات من الكوماندوز التي تحركت واختبأت داخل المباني، وواصلت استهداف الجنود الإسرائيليين.

 

وتصف الرواية صعوبة إخلاء الجرحى، وتعرض بعضهم لإصابات متكررة، وسط نيران لم تتوقف، في وقت اضطرت فيه القوات الإسرائيلية إلى إرسال آليات لمحاولة الوصول إلى المصابين وإجلائهم.

 

كما نُقلت عن المصور الإسرائيلي شلومو عراد شهادة تصف إطلاق النار من نوافذ المنازل، وإلقاء القنابل اليدوية على القوات المتقدمة،

وتعرض آلية تابعة للقوة التي يقودها يوسي لإصابة بقذيفة «بازوكا»، وما ترتب على ذلك من إصابة أفراد القوة أو مقتل بعضهم، بحسب الرواية.

 

وتكشف هذه الشهادات، مع اختلاف تفاصيلها وضرورة الرجوع إلى مصادرها الأصلية للتحقق من ألفاظها وسياقها، حجم المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية داخل المدينة، وتفنّد الصورة التي تصور السويس هدفًا سهلًا يمكن السيطرة عليه سريعًا.

 

السويس.. ملحمة شعب وجيش

 

لم تكن معركة السويس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت نموذجًا للتلاحم بين القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، حين تحول السكان إلى خط دفاع أساسي عن مدينتهم، وقدموا درسًا في الصمود والتضحية.

 

وفي 24 أكتوبر 1973، اصطدمت القوات الإسرائيلية بإرادة مدينة رفضت الاستسلام، وواجه أبناؤها الدبابات والأسلحة بالنيران والإصرار،

ليبقى هذا اليوم علامة فارقة في الذاكرة الوطنية المصرية، وذكرى تتجدد معها معاني البطولة والانتماء.

 

إن ملحمة السويس تذكّر الأجيال بأن الدفاع عن الوطن لا تصنعه الإمكانات وحدها، بل تصنعه أيضًا إرادة الإنسان، وتماسك المجتمع، واستعداده لتحمل المسؤولية في أحلك اللحظات.

 

تحية لأبطال المقاومة الشعبية وشهداء السويس

 

في ذكرى هذه الملحمة الوطنية، نتوجه بكل التحية والتقدير إلى أبطال المقاومة الشعبية في السويس، وفي مقدمتهم الشيخ حافظ سلامة، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدينة ونضال أبنائها.

 

كما نترحم على شهداء السويس الأبرار، ونستحضر أسماءهم بكل إجلال:

 

من الشهداء:

 

1. الشهيد البطل السيد أحمد أبو هاشم.

2. الشهيد البطل مصطفى أبو هاشم.

3. الشهيد البطل فايز حافظ.

4. الشهيد البطل إبراهيم محمد السيد سليمان.

5. الشهيد البطل أشرف عبد الدايم عبد الرازق.

 

ومن أبطال المقاومة الشعبية:

 

1. الفدائي البطل المرحوم عبد المنعم خالد.

2. الفدائي البطل محمود عواد.

3. الفدائي البطل محمد غازي.

4. الفدائي البطل المرحوم غريب محمد غريب.

5. الفدائي البطل المرحوم حلمي شحاتة.

6. الفدائي البطل أحمد العطيفي.

7. الفدائي البطل محمود طه.

8. الفدائي البطل محمد سرحان.

9. الفدائي البطل فتحي عوض الله.

 

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ الوطن وأهله، وجعل تضحيات الأبطال نبراسًا للأجيال القادمة.

 

ستظل السويس رمزًا للمقاومة والصمود، وسيظل الرابع والعشرون من أكتوبر شاهدًا على أن إرادة المصريين قادرة على إفشال العدوان وصناعة التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *