خلف أبواب عابدين.. الأميرة قبل أن تكبر.. كيف كانت تتعلم أن تكون أميرة؟
الرئيسية » داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. الأميرة قبل أن تكبر.. كيف كانت تتعلم أن تكون أميرة؟
مقالات

داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. الأميرة قبل أن تكبر.. كيف كانت تتعلم أن تكون أميرة؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

خلف أبواب عابدين.. الأميرة قبل أن تكبر.. كيف كانت تتعلم أن تكون أميرة؟

داليا حسام – كاتبة و إستايلست

في الحلقة اللي فاتت، خرجنا من حكاية ناريمان بسؤال مهم:

لو كانت الملكة القادمة من خارج القصر محتاجة تتعلم آداب البلاط قبل ما تحمل التاج… فماذا عن البنت التي وُلدت أصلًا داخل القصر؟

هل كانت طفلة عادية تعيش طفولتها، ثم تكبر وتصبح أميرة؟

ولا كان لقب «أميرة» يبدأ معها من أول يوم؟
هنا تبدأ حكاية مختلفة من حكايات «خلف أبواب عابدين».

لأننا هذه المرة مش هنحكي عن ملكة دخلت القصر…
لكن عن أميرات وُلدن داخله.
الأميرة لم تكن مجرد بنت للملك

في الأسرة المالكة المصرية، كان لقب الأميرة مرتبطًا بمكانة رسمية داخل أسرة محمد علي، ولم يكن مجرد وصف اجتماعي.

وبنات الملك فاروق من الملكة فريدة كنّ مثالًا واضحًا.
فقد أنجب فاروق وفريدة ثلاث بنات:

الأميرة فريال، والأميرة فوزية، والأميرة فادية.
وُلدت فريال في 17 نوفمبر 1938، ثم فوزية في 6 أبريل 1940، ثم فادية في 15 ديسمبر 1943.

وهنا لازم نفتكر إن فوزية الابنة الثانية لفاروق وفريدة هي غير عمتها الأميرة فوزية بنت الملك فؤاد، التي أصبحت لاحقًا زوجة ولي عهد إيران.

يعني داخل العائلة نفسها، كان ممكن نلاقي الاسم الواحد بيتكرر، لأن الأسماء الملكية لم تكن مجرد اختيار عابر؛ كانت تحمل صلة بالعائلة وتاريخها.

وفي سنة 1940، مثلًا، سجّلت الصحافة الأجنبية ميلاد الأميرة فوزية باعتباره ميلاد الابنة الثانية لفاروق وفريدة، وهو ما يؤكد تسلسل ولادات البنات الثلاث.

طفولة… لكن ليست طفولة عادية

لما نتخيل طفلة ملكية، ممكن نتخيل الفساتين الجميلة، القصور، الحدائق، الألعاب والهدايا.
وده جزء من الصورة فعلًا.

لكن الجزء الآخر أهم.
الطفلة التي تحمل لقب أميرة كانت تعيش وهي تعرف أن عائلتها ليست عائلة عادية.

كان أبوها ملك مصر.
وأمها ملكة.

وكل ظهور للعائلة أمام الناس كان يحمل معنى أكبر من مجرد خروج أسرة للتنزه أو حضور مناسبة.

الصورة نفسها كانت جزءًا من الحياة الملكية.
ولهذا كانت تربية أبناء الأسرة المالكة مرتبطة بالتعليم والانضباط والظهور العام،

لكن من المهم هنا ألا ننسب إلى القصر «منهج إتيكيت» تفصيليًا لكل حركة، ما لم يكن لدينا مصدر يثبت ذلك.

التاريخ الدقيق لا يسمح لنا أن نقول:

«كانت الأميرة تتعلم كذا وكذا كل يوم»
لمجرد أن هذا يبدو منطقيًا.

لكن لدينا ما يكفي لنعرف أن التعليم والتنشئة كانا جزءًا أساسيًا من حياة الأميرات.
والدليل الأوضح ظهر لاحقًا، بعد خروج الأسرة من مصر.

عندما خرجت الأميرات من القصر… استمر التعليم

بعد ثورة يوليو 1952 وخروج الأسرة المالكة من مصر، لم تنتهِ حياة الأميرات التعليمية.

تذكر المصادر أن فريال وشقيقتيها تلقيْن تعليمًا خاصًا،

ثم التحقن بمدرسة داخلية في سويسرا هي Grand Verger Finishing School في لوتري.

وهنا تظهر لنا كلمة مهمة جدًا:
Finishing School.

فهذا النوع من المدارس كان يهتم بتعليم الفتيات، إلى جانب الدراسة، مهارات اجتماعية وشخصية تساعدهن على التعامل في المجتمع الراقي.

لكن المثير في قصة الأميرات الثلاث أن حياتهن بعد 1952 لم تكن حياة أميرات في قصر.

لقد أصبحن بنات أسرة ملكية تعيش في المنفى.
وهذا فرق كبير.

فالتربية التي بدأت داخل القصور اضطرت أن تتكيف مع حياة جديدة تمامًا خارج مصر.

فريال.. أميرة ولدت في القصر وعاشت خارجَه

كانت فريال أولى بنات فاروق وفريدة.

وُلدت في القاهرة في نوفمبر 1938، وجاء ميلادها في وقت كانت فيه الملكية المصرية تحاول أن تقدم صورة عائلية حديثة أمام المجتمع.

وبعد سنوات قليلة، أصبحت لها شقيقتان.
ثلاث بنات…
ثلاث أميرات…
وثلاث شخصيات مختلفة.

لكن قبل أن نصل إلى اختلاف شخصياتهن، هناك تفصيلة مهمة جدًا في معنى «الأميرة» نفسها.

الأميرة لم تكن فقط ترتدي ملابس جميلة.
كانت ملابسها جزءًا من ظهورها الاجتماعي.

ولأن الأسرة المالكة كانت تظهر في المناسبات العامة، فإن اختيار الملابس والصورة العامة كانا مرتبطين بالمناسبة وبالمكان وبالمرحلة العمرية.

لكن لا يصح أن ننسب إلى كل فستان ارتدته أميرة معنى بروتوكوليًا محددًا من غير وثيقة أو صورة موثقة توضّح المناسبة.

وهنا يأتي دور الصورة التاريخية.
الصورة أحيانًا تكون وثيقة أقوى من الحكاية.

فهي تخبرنا أين كانت الأميرة، ومن كان معها، وكيف ظهرت الأسرة، وما طبيعة المناسبة.

لكنها لا تخبرنا وحدها لماذا اختير فستان معين أو ماذا كانت تشعر به الأميرة.

والفصل بين الاثنين هو اللي بيخلينا نحكي التاريخ من غير ما نحوله إلى أسطورة.

القصر كان بيتًا… لكنه كان أيضًا مسرحًا للمراسم

وعندما نتحدث عن الأميرات داخل عابدين، لازم نفتكر طبيعة القصر نفسه.

المصادر الرسمية لقصر عابدين تفرّق بوضوح بين أجزاء كانت مخصصة للاستقبال والمناسبات والاجتماعات الرسمية،

وأجزاء أخرى مرتبطة بالحياة العائلية داخل القصر.
ففي الطابق العلوي كان هناك السلاملك المرتبط بالاستقبالات والاحتفالات والاجتماعات الرسمية،

في مقابل الحرملك المرتبط بإقامة الأسرة.
وكان هناك حتى باب يفصل قاعة العرش عن الحرملك،

وكانت إمكانية المرور منه مقيدة بتصاريح خاصة.
يعني القصر نفسه كان يعرف الفرق بين:

الحياة الخاصة… والحياة الرسمية.

وهذه نقطة مهمة جدًا لفهم حياة الأميرات.
فالطفلة التي تعيش في جناح الأسرة ليست طوال الوقت أمام الضيوف والمراسم.

لكن عندما تنتقل إلى مساحة رسمية، يصبح وجودها مرتبطًا بالمكان والمناسبة ومكانة الأسرة.

وهنا نفهم لماذا كان على أبناء الأسرة المالكة أن يتعلموا منذ الصغر كيف يتعاملون مع عالم مختلف عن الحياة الخاصة.

والأميرة… لم تكن وحدها

من الأخطاء الشائعة أننا نتخيل القصور الملكية كأن الملكة أو الأميرة كانت تتحرك وحدها وسط كل هذا العالم.

لكن الحياة الملكية كانت قائمة على مجموعة من العاملين والمرافقين والموظفين، وكل منهم له وظيفة.

والطفلة الملكية كانت تكبر داخل هذا النظام.
وهذا لا يعني أن كل دقيقة من حياتها كانت محكومة بالمراسم.

بالعكس.
القصور كانت بيوتًا أيضًا.
فيها أسرة وأطفال وحياة يومية.

لكن الفارق أن هذه الحياة الخاصة كانت تجري داخل مؤسسة ملكية، ولذلك كان هناك دائمًا خط فاصل بين ما يحدث داخل الأسرة، وما يظهر أمام الناس.

وهذا الخط هو أحد أسرار فهم حياة الأميرات.

من فستان الطفلة إلى صورة الأميرة

وهنا ندخل إلى الجزء الذي يهمني جدًا كستايلست وكاتبة عن تاريخ الموضة.
الملابس كانت تكبر مع الأميرة.

طفلة صغيرة لها مظهر مختلف عن فتاة في سن المراهقة.
والظهور العائلي ليس مثل مناسبة رسمية.

والصورة الخاصة ليست مثل الصورة التي ستنشرها الصحافة.

ولذلك، عندما ننظر اليوم إلى صور الأميرات، لا يجب أن نسأل فقط:
«كانت لابسة إيه؟»

السؤال الأهم:
كانت رايحة فين؟
لأن المكان والمناسبة والعمر هم اللي يساعدونا نفهم الصورة.

وهنا تظهر أهمية تاريخ الموضة.
الفستان لا يعيش وحده.
إنه جزء من زمانه، ومكانه، وعمر صاحبته، والمناسبة التي ظهر فيها.

وهذا بالضبط ما سنبدأ في تتبعه مع الأميرات.

جاء اليوم الذي انتهت فيه طفولة القصر

كانت بنات فاروق وفريدة ما زلن صغيرات عندما تغير كل شيء.
في يوليو 1952 انتهى عهد الملك فاروق وغادرت الأسرة مصر.

وفي لحظة واحدة تقريبًا، تحولت حياة الأميرات من حياة داخل القصور المصرية إلى حياة جديدة في أوروبا.

فريال، التي ولدت في القصر سنة 1938، كانت لا تزال طفلة عندما خرجت من مصر.

وهنا تصبح كلمة «أميرة» نفسها غريبة بعض الشيء.

لأن اللقب بقي…
لكن القصر اختفى.
والتاج اختفى.
والمراسم اختفت.
وبقيت البنت.

وهذه ربما أجمل نقطة نصل إليها في حكاية الأميرات:

ماذا يبقى من الإنسان عندما تختفي كل الأشياء التي كانت تقول له من هو؟

الأميرة التي خرجت من القصر… وبقي اسم مصر معها
عاشت فريال معظم حياتها بعيدًا عن مصر.

وتعلمت وعملت وتزوجت وأنجبت ابنتها ياسمين.
ولم تعد إلى مصر إلا بعد سنوات طويلة، وفق المصادر المتاحة عن حياتها.

وهكذا، فإن قصة فريال لا تنتهي عند باب القصر.
بل تبدأ منه.

لأنها تمثل جيلًا كاملًا من أبناء الأسرة المالكة الذين عرفوا القصور في طفولتهم، ثم عرفوا المنفى في شبابهم،

واضطروا إلى بناء حياة جديدة بعيدًا عن المكان الذي وُلدوا فيه.

ومن هنا نكتشف أن كلمة «أميرة» لم تكن ضمانًا لحياة واحدة.
أحيانًا كانت تعني القصر. وأحيانًا كانت تعني المسؤولية.

وربما ، كما حدث مع فريال وشقيقتيها، أصبحت تعني أن تحمل اسم عائلة كاملة في بلد لم تعد تعيش فيه.

لكن هناك باب لم نفتحه بعد…
حتى الآن كنا نتحدث عن الأميرة كجزء من الأسرة.
لكن ماذا عن الأميرة كفتاة لها عالمها الخاص؟

ماذا كانت تفعل في الصيف؟
وأين كانت الأميرات تقضي أيامها في الإسكندرية؟

وكيف صُممت بعض الأماكن خصيصًا لهن؟
وهنا تظهر معلومة جميلة جدًا.

قصر رأس التين في الإسكندرية أُضيف إليه في عهد الملك فاروق مبنى للأميرات، وكانت الملكة والأميرات يلحقن بالملك إلى رأس التين خلال الصيف.

كما ارتبطت منطقة القصر بمساحات ترفيهية مخصصة لهن، ومن بينها سينما الأميرات التي كانت بجوار قصر الملك.

يعني كان للأميرات عالم كامل داخل العالم الملكي…
أماكن لهن، وخصوصية لهن، وحياة لا نراها في الصور الرسمية.

وهنا أعتقد أن الحكاية الحقيقية تبدأ.
لأننا في الحلقة القادمة لن نسأل:

«ماذا كانت ترتدي الأميرة؟»
لكن هنسأل سؤالًا أكثر إثارة:

ماذا كانت تفعل الأميرة عندما تُغلق أبواب القصر وتختفي المراسم؟
كيف كانت تقضي يومها؟
أين كانت تجلس؟
ماذا كانت تفعل في الصيف؟

وكيف صنع القصر للأميرات عالمًا خاصًا بعيدًا عن قاعات العرش؟

في الحلقة القادمة من «خلف أبواب عابدين»… هنفتح بابًا لا يظهر كثيرًا في الصور الرسمية: عالم الأميرات بعيدًا عن التاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *