جيران الأمس وأعداء التريند.. كيف تغيرت العلاقات بين الشعوب العربية؟
الرئيسية » جيران الأمس وأعداء التريند : قصة الإخوة العربية بين الحضن الدافئ والتحريض الممنهج .
مقالات

جيران الأمس وأعداء التريند : قصة الإخوة العربية بين الحضن الدافئ والتحريض الممنهج .

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

جيران الأمس وأعداء التريند : قصة الإخوة العربية بين الحضن الدافئ والتحريض الممنهج .د

✍️ بقلم : وضحة الكفارنة

في زمن النقاء كانت الحدود بين الدول العربية يومًا ما مجرد خطوط وهمية على خرائط المستعمر، لا تمنع عابرًا ولا تقطع رحمًا.

وعاشت الشعوب العربية عقودًا طويلة تتنفس برئة واحدة؛ إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .

حيث كانت الهوية والعروبة تجمع القلوب قبل أن تجمعها السياسية والمصالح . وتميزت العلاقات الشعبية العربية بالالتحام العفوي والمصير المشترك .

وكما امتازت بوحدة القضية

وكانت قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية هي المحرك الأساسي للشارع العريي من المحيط إلى الخليج .

حيث تخرج المظاهرات وتُجمع التبرعات كواجب أخلاقي لا منة فيه.

 

التلاحم الوجداني والثقافي

الترحاب والاندماج :

كان المواطن العربي ينتقل للعمل أو الدراسة في أي بلد شقيق فيُعامل كصاحب بيت دون تفرقة عنصرية ،

ولم تكن ثقافة “الوافد” أو “الأجنبي” أو ” اللاجئ ” دارجة في القاموس الشعبي .

 

الروابط الثقافية:

جمعت الفنون، ، والسينما،والكتب والمناهج التعليمية المشتركة وجدان الشعوب، فكان العربي يضحك لذات النكتة ويُطرب لذات الأغنية .

وتعبا لذلك نطرح أسئلة مهمة تثير الجدل لمعرفة ما وراء الستار ، ومايدور حولنا ونحن في غفلةً عنه .

كيف أصبحت العلاقات في زمننا الحالي وكيف تحول الدفء التاريخي إلى هذا الجفاء ؟.

وكيف تراجعت تلك اللُحمة الشعبية لتفسح المجال لظواهر دخيلة ومؤلمة ؟. ومن المستفيد الحقيقي من تمزيق هذا النسيج المشترك ؟

 

واقع العلاقات في زمننا الحالي

إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن دفء العلاقات القديمة قد تراجع ليحل محله نوع من الانكفاء على الذات،

بل ظهرت ملامح سلبية لم تكن معهودة من قبل الهويات الفرعية الضيقة.

حيث تراجعت فكرة “القومية العربية” المشتركة لصالح النزعات الوطنية الضيقة، وأصبح شعار “نفسي نفسي” هو السائد .

 

صعوبة التواصل البشري :

أصبح سفر المواطن العربي إلى دولة أجنبية أسهل بكثير من حصولة على تأشيرة لزيارة بلد عربي شقيق .

 

حروب شبكات التواصل الإجتماعي

اليوم نقف عاجزين أمام مشهد مُغاير تمامًا ، ومؤلم جدًا ، حيث تحولت منصات العالم الافتراضي إلى ساحات حرب كلامية لتبادل الشتائم،

وتشويه الرموز الوطنية لكل بلد وتعميق العنصرية والطبقية بين مواطني الدول العربية .

 

العنصرية العابرة للحدود :

حيث تسللت مشاعر العنصريةو الإقصاء إلى لغة بعض الإخوة والأخوات من الشعوب العربية ،

وتتطرق البعض منهم المطالبة بطرد الأشقاء، و التقليل من شأن تضحياتهم وتاريخهم .

 

الأنكفاء على الذات:

تغلغلت النزعة القطرية الضيقة، وأصبح شعار “نفسي أولاً” هو السائد، مع غياب شبه تام للتضامن الشعبي العفوي الذي كان يميز الأجيال السابقة.

 

خلف الستار : لصالح من يحدث هذا التمزق؟

إن هذا التراشق والعداء الحاصل بين الشعوب العربية ليس وليد الصدفة، بل هو صناعة ممنهجة تخدم أطرافًا محددة .

القوى الاستعمارية والإقليمية الطامعة: المستفيد الأول هو كل عدو يتربص بالمنطقة،

فإضعاف الهوية الجامعة وتفتيت المفتت يضمن بقاء هذه الدول ضعيفة ومتناحرة، مما يسهل السيطرة علىيها وعلى ثرواتها .

 

سياسة ” فَرّق تَسُدْ” للاحتلال الصهيوني :إن غياب العمق الشعبي العربي الداعم للقضايا المصيرية،

وانشغال الشعوب بالصراعات الجانبية، هو الهدية الأثمن للاحتلال لتمرير مشاريعه دون مقاومة .

 

جمعية تجار “التريند” والمستثمرون في الأزمات :

هناك صُناع محتوى وشخصيات تبحث عن الشهرة والمال عبر إشعال الفتن، لأن خطاب الكراهية يجلب نسب مشاهدة وتفاعل أعلى مقارنة بخطاب المحبة والعقل.

 

من هم المحركون الحقيقيون للفتنة

السبب الرئيسي في تأجيج هذه الصراعات ليس نبض الشارع الحقيقي، بل الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية.

تدار هذه الحسابات عبر “ذباب إلكتروني” مبرمج، وراءه أجهزة استخباراتية أو جهات مشبوهة.

تبدأ القصة بتغريدة عنصرية من حساب وهمي لا يحمل اسمًا حقيقيًا،

وسرعان ما ينساق ورائها آلاف المغردين بحسن نية وعاطفة وطنية عمياء، ليتحول الشجار المصطنع إلى أزمة شعبية حقيقية بين بلدين شقيقين.

 

أدوات التواصل الاجتماعي وغياب الوعي:

غياب الرقابة الذاتية والوعي لدى شريحة واسعة من الشباب جعلهم فريسة سهلة لـ “الذباب الإلكتروني” والحسابات الوهمية التي تزرع الفتن بشكل ممنهج.

 

الفوارق الاقتصادية الصارخة:

خلقت الفجوة الاقتصادية بين الدول النفطية الغنية والدول التي تعاني من الحروب والأزمات الاقتصادية نوعًا من النظرة الفوقية من جهة، والشعور بالمرارة من جهة أخرى.

 

المشاريع الخارجية:

نجحت القوى الإقليمية والدولية في تطبيق سياسة “فَرّق تَسُدْ”، مُغذيةً الصراعات الطائفية والمذهبية داخل الجسد العربي الواحد .

كما تحدثنا عن العوامل الخارجية المؤثرة لتلك القضية الاجتماعية والانسانية ،

سنتحدث عن العوامل الداخلية التي دفعت لانتشار الظاهرة، التي عكست تحولات عميقة في نفوس المواطنين

وجعلت من البلاد العربية المعروفة تاريخيًا بالاستضافة إلى ساحات للمشاحنات و الخطاب الإقصائي ضد اللاجئين ،وهي ثلاثة عوامل رئيسية أسهمت في هذا الشحن .

 

الضغط الاقتصادي العنيف :

عندما تمر دولة ما بأزمات اقتصادية، وارتفاع في معدلات التضخم والأسعار،

وتزايد الضغط على الخدمات الأساسية ،كالصحة، والتعليم ،والمواصلات وارتفاع إيجارات العقارات، يبحث العقل الجمعي تلقائيًاعن “شماعة” يُعلق عليها مُعاناته اليومية،

وغالبًا ما يكون الطرف الأضعف “المهاجر أو اللاجئ” هو الهدف الأسهل لللّوم.

 

الخوف على الهوية والموارد :

الإشاعات المنتشرة عبر الإنترنت التي تضخم أعداد الوافدين أو تُزعم رغبتهم في الاستيطان الدائم

أو منافسة أهل البلد على لقمة عيشهم تولد حالة من “الدفاع الشرعي الوهمي” يعبر عنها البعض بالهجوم اللفظي و المطالبة بالطرد.

 

الإعلام التعبوي والتحريضي :

بعض البرامج الحوارية وصفحات الصحف تلجأ إلى دغدغة مشاعر الجماهير

عبر تضخيم بعض السلوكيات الفردية السلبية لبعض الوافدين وجعلها ظاهرة عامة.

مما يشحن المواطن العادي ويمنحه شرعية مبطنة لممارسة الإقصاء والشتائم في الواقع .

 

إعلام “التريند”:

الجري وراء نسب المشاهدة يجعل وسائل الإعلام تسلط الضوء على المشاحنات

والجرائم الفردية المرتبطة باللاجئين، مما يغيب صوت العقل وصوت التضامن الإنساني التاريخي .

 

الندوب النفسية الغيرمرئية للاجئين

تختبئ خلف تلك الظاهرة أزمة صامتة تنهش في النفوس.

لم تعد الأوطان البديلة ملاذًا آمنًا بالكامل، خاصةً بعد تصاعد حدة الخطاب العدائي وحملات التهديد بالطرد المباشر

وعبارات الشتم التي باتت تلاحق اللاجئين في تفاصيل حياتهم اليومية داخل البلدان المستضيفة.

حيث تتجاوز هذه الممارسات كونها مجرد “مضايقات عابرة”، بل تحولت إلى أداة هدم نفسي ممنهج ترتبت عليها آثار عميقة ومقلقة .

 

القلق المزمن وفوبيا الترحيل:

يعيش اللاجئ في حالة تأهب دائم وخوف مستمر من المجهول، حيث تحرمه التهديدات المستمرة بالطرد من الشعور بالأمان، وتجعله يترقب لحظة اقتلاع جديدة في أي وقت .

صدمة الهوية واهتزاز الثقة: يتسبب الشتم والتحقير اليومي في تدمير الصورة الذاتية للاجئ،

مما يولد لديه شعورًا بالدونية، والعزلة، وفقدان الثقة بالوسط المحيط.

 

الاكتئاب والشعور بالاضطهاد:

حيث يشعر اللاجئ بأنه منبوذ ومحاصر، مما يدفع الكثيرين إلى الانغلاق التام وتجنب الاختلاط بالمجتمع.

الحرب الصامتة :

يساهم الخطاب العدائي بخلق “حربًا نفسية” داخلية قد تفوق في قسوتها ويلات الحروب العسكرية المباشرة .

 

كيف نتخلص من فخ الفتن والقضاء عليها ؟

كما تحدثنا سابقًا إن الإعلام لعب دور ًا سلبيًا في إشعال نيران الفتن والانحدار بها إلى الشارع العربي .الإ إنه أيضًا يمتلك القدرة على إطفائها .

 

الأمل المشرق في منبر الإعلام

يمتلك الإعلام القدرة على الإطفاء إذا ركز على إبراز الجوانب الإيجابية .

مثل نشر الإسهامات الاقتصادية والاستثمارية للوافيدين .
ونشر قيم الإخوة الإنسانية .

التأكيد على أن الضغوط الاقتصادية هي أزمة عالمية وإقليمية وليست بسبب وجود ضيوف في البلاد .

رفض القنوات الفضائية لاستضافت أ فواهًا تكرس العنصرية والفرقة

عدم تسليط الضوء على الشخصيات المثيرة للفتن، وتجريم الخطاب العنصري.

 

صناعة محتوى جامع:

إنتاج برامج وثائقية وحوارية تبرز الروابط التاريخية، والمواقف المشرفة التي وقفتها الشعوب العربية مع بعضها في الأزمات.

التوعية الرقمية:

تدريب الجمهور على كشف الحسابات الوهمية الموجهة .

ونشر ثقافة “التبيّن” قبل الانجرار وراء أي وسم (هاشتاج) مسيء .

 

طوق النجاة:

حلول عملية لاستعادة الإخاء العربي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحماية الأجيال القادمة يتطلب خطوات جادة وفورية .

التجاهل الواعي :

يجب على المواطن العربي الواعي ألا يتفاعل مع الحسابات المُسيئة، فالرد عليها يمنحها انتشارًا أوسع.

 

حظر هذه الحسابات وتجاهلها هو السلاح الأقوى

المبادرات الشعبية الإيجابية:

إطلاق حملات إلكترونية مضادة تدعو للمحبة والتضامن، والتركيز على القواسم المشتركة كاللغةو الدين، والتاريخ.

تفعيل القوانين الصارمة:

مكافحة الجرائم المعلوماتية ومحاسبة المحرضين على الكراهية والعنصرية في كل دولة عربية بشكل رادع.

دور المناهج التعليمية:

إعادة إحياء قيم القومية العربية والترابط الأخوي في قلوب الأطفال والشباب عبر المناهج المدرسية.

 

الخلاصة :

ستبقى العروبة رابطة دم وثقافة وتاريخ لا يمكن لـ “خوارزمية” على موقع تواصل اجتماعي أن تمحوها، ولا لحساب وهمي مشبوه أن يمزقها.

إن الوعي هو سلاحنا الأوحد في هذه المعركة، فالعربي الحقيقي هو من يرى في شقيقه العربي سندًا وعضدًا لا منافسًا ولا عدواً.

لقد حان الوقت لتستيقظ الشعوب العربية وتدرك حجم المؤامرة التي تحاك ضد وجدانها،

وأن تُغلق الأبواب في وجه تُجار الفتن، لنعود كما كنا يومًا. أمةً واحدة، إذا تألم فيها جزء، تداعى له الباقون بالحب والنصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *