حرمة نهب المال العام وحق الشعب اليمني في استعادة حقوقه ورفع الحصار عنه
القاضي/ حسين محمد أحمد المهدي
عضو رابطة علماء اليمن
قال الله تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾»
يمثل المال أحد أهم مقومات حياة الإنسان والمجتمع، فمن خلاله تُلبّى الحاجات الأساسية من غذاء ومسكن وكساء ودواء، وتُقام المشروعات، وتُبنى الطرق والمستشفيات والجامعات، وتُوفر الخدمات التي يحتاج إليها الناس.
ولهذا حظي المال بمكانة واضحة في الشريعة الإسلامية، مقرونًا بالتكليف والمسؤولية، وليس باعتباره غاية مستقلة عن القيم والأخلاق.
قال تعالى:
«﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾»
كما وصف القرآن المال بأنه من زينة الحياة الدنيا، فقال سبحانه:
«﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.»
المال مسؤولية قبل أن يكون امتلاكًا
لا تكمن المشكلة في امتلاك المال أو تحقيق الغنى، وإنما في الطريقة التي يُكتسب بها، وكيفية استخدامه.
فالمال الحلال يمكن أن يكون وسيلة لإعانة الإنسان على نفسه وأسرته ومجتمعه، والقيام بالواجبات الاجتماعية، وإخراج الزكاة، ومساعدة المحتاجين.
وفي المقابل، حذرت النصوص الدينية من تحويل المال إلى وسيلة للظلم والاستعلاء والإفساد.
قال تعالى:
«﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.»
كما حذر القرآن من فتنة المال، فقال سبحانه:
«﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.»
ومن هنا، فإن المال في المنظور الديني ليس مجرد ملكية، بل أمانة ترتبط بالعدل والمسؤولية.
من المال الخاص إلى المال العام
إذا كان الاعتداء على مال الفرد محرمًا، فإن حماية المال العام تكتسب أهمية أكبر، لأنه يرتبط بحقوق جماعة واسعة من الناس.
فالمال العام يدخل في بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء، كما يسهم في تمويل مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية.
ولهذا فإن الاعتداء على المال العام أو تبديده أو الاستيلاء عليه بغير حق لا ينعكس على فرد واحد، وإنما يمكن أن يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.
ويؤكد الكاتب أن القاعدة القرآنية:
«﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾»
ينبغي أن تكون أساسًا في التعامل مع المال، سواء تعلق الأمر بأموال الأفراد أو الموارد العامة.
الثروات الطبيعية وحقوق الشعوب
ينتقل المقال إلى قضية الثروات الطبيعية في اليمن، وفي مقدمتها النفط والغاز، باعتبارها موارد ذات أهمية اقتصادية للدولة والمجتمع.
ويرى الكاتب أن هذه الموارد يجب أن تعود بالنفع على الشعب اليمني، وأن إدارة الثروة الوطنية ينبغي أن ترتبط بالمصلحة العامة والشفافية والعدالة، لا بالصراع أو الإقصاء.
وتؤكد تقارير أممية أن توقف أو تراجع صادرات النفط والغاز أدى إلى انخفاض الإيرادات العامة وزيادة الضغوط الاقتصادية في اليمن، كما أن استمرار الصراع وتجزؤ المؤسسات الاقتصادية أثرا في قدرة الدولة على توفير الخدمات ودفع الرواتب.
كما يشير المبعوث الأممي إلى اليمن إلى أن القضايا الاقتصادية، ومنها الرواتب والإيرادات واستئناف صادرات النفط، أصبحت جزءًا أساسيًا من جهود معالجة الأزمة اليمنية.
الحرب لا تُفاقم الخلاف السياسي فقط
يرى القاضي حسين المهدي أن الصراع على الموارد والثروات لا يمكن فصله عن الصراع السياسي والعسكري الممتد في اليمن.
ومن وجهة نظره، فإن استخدام القوة للاستيلاء على الموارد أو التحكم فيها يمثل اعتداءً على حقوق الشعب، ويستند في ذلك إلى مجموعة من المبادئ القرآنية التي تدعو إلى العدل وتحرم الاعتداء.
قال تعالى:
«﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.»
وهنا تتجاوز القضية، بحسب طرح الكاتب، مسألة ملكية مورد بعينه لتصبح مرتبطة بالسؤال الأكبر:
من يملك ثروات اليمن؟ وكيف تُدار؟ ومن يضمن وصول عائداتها إلى المواطنين؟
الحصار والأزمة الإنسانية
ويربط الكاتب بين الصراع الاقتصادي والعسكري وبين الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها اليمنيون.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والتنموية في العالم، مع ملايين الأشخاص المحتاجين إلى المساعدات، وارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، وتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية.
كما أن استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع الإيرادات النفطية وانقسام المؤسسات أدى إلى ضغوط كبيرة على الخدمات العامة ومستويات المعيشة.
ومن هذا المنطلق، يطالب الكاتب برفع القيود التي يرى أنها تؤثر في حياة المواطنين، وتمكين اليمنيين من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية، وضمان عدم تحول الموارد الاقتصادية إلى أدوات إضافية لإطالة الصراع.
بين استعادة الحقوق ومنع اتساع دائرة العنف
ويؤكد الكاتب أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تعني، في نظره، استهداف المدنيين أو توسيع دائرة العنف.
فالهدف الذي يطرحه المقال هو استعادة الحقوق وحماية الموارد العامة ورفع المعاناة عن المواطنين، مع التمييز بين الصراع السياسي والعسكري وبين حياة المدنيين الذين يتحملون الجزء الأكبر من تبعات الحرب.
وهذه القضية تكتسب أهمية خاصة في بلد يعاني منذ سنوات من الانقسام السياسي والاقتصادي.
فالأمم المتحدة تشير إلى أن إعادة تشغيل صادرات النفط، ودفع رواتب الموظفين، واستعادة الخدمات، وفتح طرق النقل والمنافذ، كلها ملفات أساسية ضمن أي معالجة اقتصادية مستدامة للأزمة اليمنية.
اليمن بين الثروة والأزمة
المفارقة التي يطرحها المقال أن اليمن يمتلك موارد طبيعية يمكن أن تسهم في دعم اقتصاده، بينما يعيش ملايين اليمنيين في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.
وهنا تصبح إدارة الثروات الطبيعية قضية تتجاوز الخلاف بين الأطراف المتصارعة، لتتعلق بحق المواطنين في التنمية والخدمات والعمل والحياة الكريمة.
فالنفط والغاز، في النهاية، ليسا مجرد أرقام في ميزانيات أو صادرات، وإنما موارد يفترض أن تنعكس عوائدها على المجتمع الذي يمتلكها.
العدالة أساس الخروج من الأزمة
ويختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن العدالة وحماية المال العام ورفض الاعتداء على حقوق الشعوب ينبغي أن تكون مبادئ أساسية في معالجة الصراعات.
وبعيدًا عن اختلاف المواقف السياسية من أطراف الحرب اليمنية، تظل حماية المدنيين، وضمان وصول الغذاء والدواء، والحفاظ على الموارد الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتسوية الخلافات عبر مسار سياسي، ملفات مركزية في مستقبل اليمن.
فالمال العام أمانة، والثروات الطبيعية ملك للأجيال، وأي تسوية مستدامة تحتاج إلى آليات واضحة تضمن إدارة هذه الموارد لمصلحة اليمنيين، بعيدًا عن تحويلها إلى وقود لصراع جديد.
والله من وراء القصد.

