البدايه
على الرغم من عبور السنين وتبدّل ألوان العالم، يظل السادس من أكتوبر يقف في ذاكرتنا كشاهدٍ أخير على العصر الذهبي للبطولة العربية، كأنه شمسٌ غربت وتركت خلفها شفقاً ممتداً من الهيبة والسطوة، نتساءل معه بأسى راقٍ: هل كانت تلك حربنا الأخيرة التي انقهرت فيها أطماع الأعداء على أقدام الكبرياء؟
ملحمة وطنية
لقد كانت حرب أكتوبر الملحمة الأحدث في تاريخنا الحديث التي تجسدت فيها أسطورة “الأمة الواحدة”؛ يومها لم تكن الدبابات وحدها هي التي تعبر القناة، بل كانت تتدفق معها أرواح ملايين العرب من الخليج إلى المحيط. كانت لحظةً متفردةً التقت فيها إرادة السلاح بذروة العقل والتدبير، لتتحول الصحراء إلى مسرحٍ لمجدٍ لم يكتفِ بتغيير الخرائط، بل أعاد تشكيل الوجدان العربي ورمم زجاج الروح المشروخ
سحر النصر
إن التأمل في سحر ذلك النصر يضعنا أمام الحقيقة المرة: لقد أضحت أكتوبر في نظر الكثيرين “آخر أمجاد الكبار”؛ الذروة التي لم نتجاوزها، والراية الخفاقة التي صمدت في ذهن الأجيال كآخر نموذج للعبور الشامل من ظلمات الهزيمة إلى نور السيادة والكرامة.
كانت المرة الأخيرة التي خضعت فيها المستحيلات لإرادة إنسان هذه الأرض.
المجد
لكن المجد، وإن بدا محصوراً في شريطٍ زمنيٍّ مضى، ليس متحفاً نكتفي بزيارة أطلاله ونبش ذكرياته؛ بل هو نداء مستمر. قد تكون حرب أكتوبر آخر البطولات العسكرية الكبرى في تاريخنا القريب، لكنها تترك للروح إرثاً لا يموت: أن هذه الأمة، مهما طال سباتها وشاب نهارها البهتان، تملك في أعماقها شرارةً لا تُطفأ، وقادرةً دائماً على الخروج من حطام المستحيل لتصنع فجرها الخاص حين تقرر العبور.
إن حرب أكتوبر ستظل نغماً خالداً في قيثارة الشرق، وشهادة مدونة بماء الذهب على أن الشعوب حين تختار الكرامة، تتضاءل أمامها كل المستحيلات.

