أسئلة الأطفال عن الله.. كيف نجيب عن «مين خلق الله؟»
الرئيسية » حين يسأل الطفل عن الله.. هل نفتح له باب الفهم أم نغلقه بالخوف؟
مقالات

حين يسأل الطفل عن الله.. هل نفتح له باب الفهم أم نغلقه بالخوف؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

حين يسأل الطفل عن الله.. هل نفتح له باب الفهم أم نغلقه بالخوف؟

✍️ بقلم /  داليا حسام

«مين خلق الله؟».. السؤال الذي نخاف منه أكثر مما ينبغي
تخيلوا طفلًا صغيرًا يرفع عينيه لوالده ويسأله بكل براءة:
«بابا.. مين خلق ربنا؟»

هنا تبدأ لحظة الاختبار الحقيقية…

ليس اختبارًا للطفل، وإنما للكبار.
ماذا سنفعل أمام عقل صغير بدأ يكتشف العالم؟
هل سنغضب؟
أو سنقول له: «حرام تسأل كده» وننهي الكلام؟

أم سنفهم أن الطفل لم يأتِ بسؤال عقائدي معقد ليجادلنا، وإنما جاءنا لأنه يثق فينا ويريد أن يفهم؟

وهنا تحديدًا يجب أن ننتبه.
لأن أخطر ما يمكن أن نفعله في تربية أبنائنا دينيًا هو أن نجعل الطفل يعتقد أن السؤال نفسه خطر.

الدين لا يحتاج إلى طفل ممنوع من التفكير

والإيمان لا يُبنى على أن الطفل يخاف أن ينطق بما يدور في رأسه.
نحن أمام عقل في بدايته.
عقل يرى أن كل شيء حوله له بداية:

  • هذه اللعبة صنعها إنسان.
  • هذا البيت بناه إنسان.
  • هذه الشجرة لها بذرة.
  • وهذا الإنسان ولد من أب وأم.

فحين يسأل الطفل عن الله، هو يحاول أن يضع أعظم حقيقة عرفها في إطار الأشياء التي يعرفها.
وهنا تأتي الإجابة الصحيحة:

الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وليس مخلوقًا.
هو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء.

قال تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾.
وقال سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

فالمشكلة في السؤال ليست أن الطفل ارتكب خطأ لمجرد أنه سأل، وإنما أن صيغة السؤال نفسها تفترض أن الخالق داخل في سلسلة المخلوقات،

وهذا ليس من صفات الله سبحانه وتعالى.
لكن…

هل نقول هذا لطفل في الرابعة أو الخامسة بنفس الطريقة؟

طبعًا لا.
الإجابة الصحيحة لا تكفي وحدها؛ لازم تكون مناسبة لعمر السائل.
نقول له مثلًا:

«ربنا هو اللي خلق كل حاجة، لكن ربنا نفسه مش مخلوق. إحنا بنشوف الحاجات اللي ليها بداية ونهاية، لكن ربنا سبحانه وتعالى مش زي أي حاجة إحنا نعرفها.»

ثم نترك له مساحة للكلام.
لأن الطفل أحيانًا لا يحتاج محاضرة…
يحتاج فقط شخصًا لا يخاف من سؤاله.

والأهم ألا نخلط بين أمرين مختلفين تمامًا.

النبي ﷺ أخبرنا عن الوسوسة التي تتدرج بالإنسان في الأسئلة حتى يصل إلى:

«من خلق ربك؟»، وأرشد من يجد ذلك إلى الاستعاذة بالله والانتهاء عن الاسترسال في هذه الوسوسة. وهذا حديث صحيح في صحيح مسلم.

لكن تحويل هذا الحديث إلى قاعدة تقول إن كل طفل يسأل هذا السؤال يجب أن يُخيفه أهله أو يمنعوه من الكلام ليس هو المعنى التربوي الصحيح.

والدليل العملي واضح جدًا:

الأزهر الشريف أصدر كتاب «الأطفال يسألون الإمام»

وذكر أن سبب الفكرة أن بعض الكبار يتصورون أن أسئلة الأطفال قد تكون مسيئة للعقيدة،

ولذلك جاء الكتاب للإجابة عنها وتوجيه أولياء الأمور إلى الانتباه لأسئلة أبنائهم وتشجيعهم على التفكير والتدبر.

بل إن «من خلق الله؟» ورد ضمن الموضوعات التي تناولتها أنشطة الكتاب للأطفال.

إذن…
لماذا نخاف من السؤال؟
ربما لأننا نحن الكبار لا نعرف كيف نشرح.
فنختصر الطريق ونقول:
«حرام.»

لكن كلمة «حرام» ليست دائمًا إجابة.
أحيانًا تكون بداية لسؤال أكبر:
«ليه حرام؟»

ولو لم نجد الإجابة، نكون قد صنعنا دائرة مغلقة من الخوف بدل أن نصنع فهمًا.

وهنا مسؤولية الأب والأم تصبح أكبر من مجرد تلقين معلومة.

نحن لا نربي طفلًا على إجابات محفوظة فقط.

نحن نربي عقلًا سيكبر.
وسيذهب إلى المدرسة.
وسيسمع من أصدقائه.
وسيرى فيديوهات.
وسيقرأ.
وسيتعرض لأفكار لم نخطط لها.

وفي مرحلة ما من حياته، سيقف أمام سؤال أصعب من «مين خلق الله؟»

فإذا كان قد تعلم منذ الصغر أن كل سؤال ديني يقابله غضب أو تخويف، فقد يبحث عن الإجابة بعيدًا عنا.

أما إذا تعلم أن البيت هو المكان الذي يستطيع فيه أن يقول:
«أنا مش فاهم»
دون أن يخجل…

فقد كسبنا شيئًا أهم من الإجابة نفسها:
كسبنا ثقته.

وهذه الثقة قد تحميه يومًا من إجابة خاطئة أكثر مما تحميه عشرات الأوامر.

لذلك، عندما يسأل الطفل سؤالًا كبيرًا، لا تستعجلوا إسكاته.
اسألوه أولًا:
«إيه اللي خلاك تسأل؟»

قد تكتشفون أن وراء السؤال حكاية كاملة.
وقد تكتشفون أن الطفل لم يكن يريد جدالًا في العقيدة أصلًا.

كان فقط يحاول أن يفهم.
ولو لم نعرف الإجابة، نقول ببساطة:

«مش عارف دلوقتي، بس هسأل وهنعرف سوا.»

ما أجمل أن يتعلم الطفل من أبيه وأمه أن الاعتراف بعدم المعرفة ليس عيبًا

وأن الوصول إلى الحقيقة يحتاج أحيانًا إلى سؤال أهل العلم.

والإنسان لا يُقاس بعدد الإجابات التي يحفظها، وإنما أيضًا بقدرته على أن يعرف متى يسأل، ومن يسأل، وكيف يفكر.

وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن نزرعه في الطفل هو أن يعرف الله أولًا من خلال الرحمة والمحبة والنعمة.

نقول له:

  • مين خلقك؟ربنا.
  • مين بيرزقك؟ربنا.
  • مين بنشكره على نعمه؟ربنا.
  • مين بنلجأ له لما نخاف؟ربنا.
  • مين أرحم بيك من كل الناس؟الله.

وبعدين لما يأتي السؤال الأصعب…
نكون قد وضعنا في قلبه أساسًا من المحبة والطمأنينة، وليس مجرد الخوف.

لأن الطفل الذي يعرف الله فقط باعتباره «العقاب» سيكبر بصورة مختلفة عن طفل عرفه أيضًا باعتباره الرحمن الرحيم.

وفي النهاية…

ربما نحن بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع أسئلة أطفالنا.
فليس كل سؤال يحتاج إلى «حرام».
وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة طويلة.

لكن كل سؤال يحتاج إلى احترام صاحبه.
لأن الطفل الذي يسأل اليوم:
«مين خلق الله؟»

قد يكون هو نفسه الشاب الذي سيأتي إلينا غدًا ليسأل:
«أنا مش فاهم حاجة في ديني.. أعمل إيه؟»

وهنا سيكون السؤال الحقيقي:
هل ربيناه على أن يخاف من السؤال… أم ربيناه على أن يبحث عن الحقيقة؟

فالطفولة لا تحتاج فقط إلى من يحفظ لها الإجابات…
تحتاج إلى من يحسن استقبال الأسئلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *