من المحيط إلى الخليج: لماذا يرانا العالم مصالح ولا نرى أنفسنا قوة؟ - النايل نيوز
الرئيسية » من المحيط إلى الخليج: لماذا يرانا العالم مصالح ولا نرى أنفسنا قوة؟
مقالات

من المحيط إلى الخليج: لماذا يرانا العالم مصالح ولا نرى أنفسنا قوة؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

من المحيط إلى الخليج: لماذا يرانا العالم مصالح ولا نرى أنفسنا قوة؟

بقلم عبد المجيد

ليس العالم العربي كتلة واحدة، لكنه ليس جزرًا متباعدة كما توحي الخلافات السياسية أيضًا. فمن دول شمال أفريقيا إلى مصر ودول الخليج، تمتد خيوط عميقة تجمع الدين واللغة والذاكرة والتاريخ، وتفرّق بينها تجارب الدولة والاقتصاد والجغرافيا وأنماط العيش. والمشكلة ليست في هذا التنوع؛ بل في عجزنا عن تحويله إلى معرفة متبادلة وقوة مشتركة.

في الخليج تتمركز رمزية دينية كبرى بحكم وجود الحرمين الشريفين، وتقوم مجتمعاته على تجربة حديثة صاغتها الثروة النفطية والتحول السريع وبناء المدن والمؤسسات الجديدة. وفي مصر تتجاور المكانة الدينية العريقة مع الثقل السكاني والسياسي والثقافي؛ فهي التي صنعت في القرن الماضي جزءًا كبيرًا من الوجدان العربي عبر الأدب والصحافة والأغنية والمسرح والسينما والدراما.

أما شمال أفريقيا، فليس هامشًا تابعًا للمشرق، بل فضاء حضاري كامل تشكل من روافد عربية وأمازيغية وإفريقية وأندلسية ومتوسطية. فيه الإسلام المالكي، والتصوف، والزوايا، والذاكرة الصحراوية، واللسان العربي إلى جانب اللسان الأمازيغي. وهذا التنوع ليس ضعفًا في الهوية، بل دليل على قدرتها التاريخية على الامتزاج والبقاء.

يلتقي الجميع في الدين واللغة والقضية الفلسطينية وفي حاجة الإنسان العربي إلى الكرامة والاستقرار والتنمية. لكنهم يختلفون في ترتيب الأولويات: دول الخليج تنظر بحساسية أكبر إلى أمن الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية، ومصر تنشغل بثقلها السكاني وبأمنها المائي وموقعها بين أفريقيا والبحر المتوسط، فيما تواجه بلدان شمال أفريقيا أسئلة الهجرة وأمن الساحل والحدود والتوازن بين المتوسط وأفريقيا وأوروبا.

ومن هنا تنشأ صور متبادلة ناقصة. فالمغاربي قد ينظر إلى الخليج كفضاء ديني واقتصادي بعيد عن تعقيدات شمال أفريقيا، والخليجي قد يرى المغرب العربي من زاوية السياحة أو الاستثمار أو الهجرة، والمصري قد يراه امتدادًا عربيًا قريبًا دون أن يعرف كل طبقاته الثقافية واللغوية والتاريخية. ومع ذلك تظل مصر، في الوجدان المغاربي، بيتًا ثقافيًا دخل عبر الأغنية والسينما والصحافة والدراما، حتى صارت لهجتها مألوفة في بيوت كثيرة.

أما القوى الكبرى، فلا تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها جماعة بشرية تستحق الانسجام والوحدة لذاتها. إنها تراها من منظور المصالح: الطاقة والأسواق والموانئ والممرات البحرية والأمن والهجرة والاستثمار. ترى الخليج في ضوء النفط والغاز والمضائق البحرية، وترى مصر في ضوء قناة السويس وثقلها السياسي والبشري، وترى شمال أفريقيا بوابةً نحو أوروبا وإفريقيا ومجالًا للطاقة والتجارة ومراقبة الهجرة.

قد تشجع هذه القوى التعاون العربي حين يضمن الاستقرار ويؤمن التجارة ويمنع الحروب، لكنها لا تكون متحمسة دائمًا لوحدة مستقلة قادرة على صياغة قرارها الاقتصادي والسياسي والثقافي. فهي تريد منطقة مستقرة يمكن التعامل معها، لا منطقة متماسكة تملك شروطها وتفاوض من موقع قوة.

لذلك لا يكفي أن نلوم الخارج. فالضعف يبدأ حين يجهل العربي أخاه العربي، وحين تختزل المعرفة في الأخبار العاجلة والصور النمطية. لا يمكن بناء علاقة حقيقية بين شمال أفريقيا ومصر والخليج من دون تبادل ثقافي وجامعي وفني، ومن دون ترجمة للكتابات والأفكار، ومن دون إعلام يعرف المجتمعات بدل أن يكرر الصور الجاهزة عنها.

إن الوحدة لا تعني محو الخصوصيات. لا تعني أن يتخلى المغاربي عن عمقه الأمازيغي والإفريقي والمتوسطي، ولا أن يتخلى الخليجي عن خصوصية مجتمعه، ولا أن تتخلى مصر عن عمقها النيلي والإفريقي. الوحدة الناضجة هي أن تتحول هذه الخصوصيات إلى عناصر تكامل: الخليج بموارده ومكانته الروحية، مصر بثقلها الثقافي والبشري، وشمال أفريقيا بتنوعه وموقعه وصلاته بأفريقيا والمتوسط.

حين نعرف بعضنا معرفة حقيقية، ننتقل من علاقة عاطفية هشة إلى شراكة واعية. وعندها فقط لن نُرى في أعين العالم مجرد أسواق وممرات وثروات، بل شعوبًا قادرة على إنتاج المعنى، وصناعة القوة، وحماية قرارها.من المحيط إلى الخليج: لماذا يرانا العالم مصالح ولا نرى أنفسنا قوة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *