محمود السنكري يكتب:رغم سخافات الحياة… إبتسم
ليست الحياة دائمًا ذلك النص المتقن الذي نعشق قراءته ولا القصيدة التي تنساب أبياتها في اتزان وإيقاع جميل ففي كثير من الأحيان تبدو أشبه بمسودة قديمة امتلأت بالشطب والتعديل وتزاحمت فيها التفاصيل المرهقة والمواقف العبثية والأشخاص الذين يستهلكون أعصابنا أكثر مما يضيفون إلى حياتنا معنى.
ومع ذلك… نمضي.
نستيقظ كل صباح لنواجه عالمًا لا يخلو من السخافات كلمة قيلت بلا وعي ونظرة أسيء فهمها وجدال عقيم وتصرف طفولي ومواقف لا تستحق دقيقة من التفكير لكنها قد تسرق منا ساعات من الراحة وربما أيامًا من صفاء الروح.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة فليس ما يهزم الإنسان دائمًا هو الكوارث الكبرى بل ذلك النزيف البطيء الذي تصنعه التفاصيل الصغيرة، إن السخف اليومي يشبه قطرات الماء التي تسقط فوق الصخر قد تبدو ضعيفة لكنها مع الزمن تنحت فيه أخاديد عميقة.
كم من إنسان أفسد يومه تعليق عابر؟ وكم من علاقة توترت بسبب كلمة كان يمكن تجاهلها؟ وكم من قلب أثقلته أمور لو نظر إليها بعد شهر لابتسم ساخرًا من اهتمامه بها؟
إن أخطر ما في السخافات أنها لا تأتي معلنة عن نفسها بل تتسلل متنكرة في هيئة أمور بسيطة ثم تستوطن العقل وتستنزف المشاعر وتسرق من الإنسان أغلى ما يملك وهو راحة البال.
لكن… ماذا لو قلبنا زاوية النظر؟
ماذا لو كانت هذه التفاصيل التافهة ليست عدوًا بل امتحانًا يوميًا لوعينا؟ ماذا لو كانت الحياة لا تريد أن ترى مدى قوتنا في مواجهة الكوارث بل قدرتنا على الانتصار على التفاهات التي تتكرر كل يوم؟
إن الإنسان الحكيم لا يقيس الأشياء بحجم الضجيج الذي تحدثه بل بحجم أثرها الحقيقي لذلك لا يمنح كل موقف حق الغضب ولا كل كلمة شرف الرد ولا كل شخص مساحة في قلبه أو عقله.
فالرد على كل مستفز استنزاف والانشغال بكل تافه خسارة والدخول في كل معركة حماقة لأن بعض الانتصارات في حقيقتها هزائم وبعض التجاهل أبلغ من آلاف الكلمات.
الابتسامة في وجه العبث ليست سذاجة وليست هروبًا من الواقع بل هي أعلى درجات النضج النفسي لأنها إعلان بأنك لم تعد تسمح للأحداث الصغيرة أن تتحكم في مزاجك ولا للأشخاص محدودي الوعي أن يقودوا مشاعرك ولا للتفاصيل العابرة أن تصادر يومك.
فالابتسام ليس إنكارًا للألم بل انتصار عليه.
وليس كل من يبتسم سعيدًا بل قد يكون أكثر الناس وجعًا لكنه أدرك أن العبوس لن يغيّر الواقع وأن الغضب المستمر لن يصلح الحياة وأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يحافظ على سلامه الداخلي وسط ضجيج العالم.
وتأمل مسيرة عمرك…
كم موقفًا ظننته نهاية الدنيا فإذا به اليوم مجرد ذكرى باهتة؟ وكم شخصًا شغل مساحة كبيرة من تفكيرك ثم أصبح اسمه لا يثير فيك شيئًا؟ وكم مشكلة أرهقتك حتى ظننت أنك لن تتجاوزها فإذا بالزمن يطويها كأنها لم تكن؟
هكذا تعلمنا الحياة درسها الأعظم كل شيء يمضي… إلا الطريقة التي سمحت بها للأشياء أن تؤثر فيك.
فلا تمنح السخف قيمة أكبر من حجمه ولا تسمح للتوافه أن تسرق منك نعمة الاتزان، إن العمر أقصر من أن يهدر في معارك صغيرة وأثمن من أن يستهلك في إثبات ما هو واضح أو الرد على كل عابر أو الانشغال بكل ضوضاء.
اصنع لنفسك مساحة من الهدوء وانتق معاركك بعناية واحفظ قلبك لما يستحقه واترك الريح تحمل معها ما لا يستحق أن يبقى.
وفي النهاية…
قد لا نستطيع أن نغيّر سخافات الحياة ولن نستطيع أن نمنع ظهور التافهين أو اختفاء العبث من حولنا لكننا نملك قرارًا واحدًا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منا وهو كيف نستجيب؟
وحين تختار الابتسامة فأنت لا تضحك من الحياة بل تعلن أنك أكبر من سخافاتها وأعمق من تفاهاتها وأقوى من أن تهزمك تفاصيل لا تستحق.
فابتسم… ليس لأن الحياة مثالية بل لأنك أدركت أن سلامك الداخلي أغلى من أن تهبه لسخافات عابرة.

