العلماء الموريتانيون وإسهاماتهم في الفقه وأصوله
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
تتبوأ موريتانيا منزلة علمية سامقة في المشهد الإسلامي، حتى غدا اسمها قرينا للعلم الشرعي الرصين، وبخاصة الفقه وأصوله. ولم يكن هذا الحضور العلمي اللامع ثمرة مصادفة عابرة، بل خلاصة مسار تاريخي مديد تخلقت في أثنائه مدرسة علمية أصيلة، أحسنت صون التراث، وأحكمت استيعابه، وأسهمت في الإضافة إليه، مع وفاء صارم للمنهج، وانفتاح رصين محسوب على مقتضيات الواقع.
انبثقت الحركة العلمية في موريتانيا ضمن سياق اجتماعي قوامه الترحال، والزهد، وشح مظاهر الترف، الأمر الذي وجه الهمم إلى العلم بوصفه الثروة الأثمن ورأس المال الحقيقي. ومع إشراقة الإسلام في ربوع غرب إفريقيا، وانتشار المذهب المالكي فيها، وجد هذا المذهب في موريتانيا أرضا خصبة للاستقرار والرسوخ حتى غدا الإطار المرجعي العام للفكر الفقهي، ومحور التكوين العلمي والتقعيد المنهجي.
وتعزز هذا المسار بازدهار حواضر علمية عريقة، في طليعتها شنقيط، التي تحولت إلى منارة سامقة يؤمها طلاب العلم من شتى الآفاق، وأسهم علماؤها في تشييد تقاليد تعليمية صارمة في الفقه وأصوله، قوامها الإتقان، والتدرج، وعمق الفهم، حتى استوت مدرسة علمية لها ملامحها، ورسخت لها مكانتها في تاريخ الفكر الإسلامي.
تعد المحظرة الركيزة الأساس للحياة العلمية في موريتانيا، ومفصلها الذي دارت عليه حركة العلم قرونا متطاولة. فهي وإن كانت مؤسسة تعليمية غير رسمية في بنيتها، إلا أنها بالغة الصرامة في منهجها، دقيقة في نظامها، قائمة على الانضباط الذاتي، والجد في الطلب، وطول النفس في التحصيل. وقد تأسس بناؤها العلمي على الحفظ المتقن للمتون، والتدرج الصارم في مدارج التعلم، والجمع المحكم بين الفقه وأصوله، وآلاته من لغة ونحو وبيان، مع ملازمة الشيخ ملازمة طويلة تصنع الشخصية العلمية قبل أن تصقل المعرفة.
وفي هذا النسق التربوي الفريد، لا يدرس الفقه بوصفه جملة من الأحكام الجزئية المتناثرة، بل يقدم على أنه منظومة متكاملة، تتأسس على فهم القواعد الكلية، وضبط الأصول المنهجية، والإحاطة بمواطن الخلاف وأسبابه ودوافعه. ومن ثم خرجت المحاظر علماء امتلكوا ملكة فقهية راسخة، وقدرة نادرة على الاستنباط الدقيق، والترجيح المنضبط، وتنزيل الأحكام على الوقائع تنزيلا واعيا يجمع بين نصوص الشرع ومقاصده، ويوازن بين الثابت والمتغير بحكمة وبصيرة.
إسهاماتهم في الفقه المالكي:
برز العلماء الموريتانيون في خدمة المذهب المالكي بروح علمية راسخة، وجهد متواصل، وتنوع في مجالات العطاء، حتى غدت بصمتهم واضحة في مدونته الفقهية ومنهجه الاستدلالي. فقد أولوا عناية بالغة بشرح المتون المعتمدة، وفي مقدمتها مختصر خليل، فوضعت له شروح وحواش دقيقة، امتازت بإحكام العبارة، وحسن التحرير، وقوة التعليل، مع نفاذ إلى مقاصد الأحكام وأسرارها.
كما اشتهروا بتحقيق الروايات وضبط الأقوال، فميزوا تمييزا دقيقا بين المعتمد والمشهور، وبين ما جرى به العمل وما بقي في دائرة الخلاف النظري، وهو منهج أكسب فقههم صلابة علمية، وجعل فتاواهم أقرب إلى الاستقرار والاتزان. وإلى جانب ذلك، كان لهم باع طويل في فقه النوازل، حيث تعاملوا مع الوقائع المستجدة بروح المذهب ومقاصده، دون خروج عن أصوله الراسخة، فأسهم هذا الجهد في ترسيخ المذهب المالكي في ربوع غرب إفريقيا، وجعل الفقه الموريتاني مرجعا معتبرا في مجالي الفتوى والقضاء.
حضورهم البارز في علم أصول الفقه:
لم يقف عطاء العلماء الموريتانيين عند حدود الفقه التطبيقي، بل امتد بعمق إلى علم أصول الفقه، حيث برعوا في حفظ متونه، وإتقان شروحه، والتوسع في مدارسه ومسائله. وقد عنوا عناية خاصة بتحرير محل النزاع في القضايا الأصولية، وضبط المصطلحات، وتمييز مناطات الخلاف، بما يعكس دقة منهجهم وصرامة تفكيرهم العلمي.
وجمع هؤلاء العلماء بين المدرسة النقلية التي تعظم النص وتقدمه، والمدرسة العقلية التي توسع أفق النظر وتدقق في الاستدلال، مع إبراز واضح للمقاصد الشرعية بوصفها الضابط الأعلى للفهم والتنزيل. وقد انعكس هذا التمكن الأصولي على فقههم العملي، فجاء فقها متزنا، بعيدا عن الجمود الذي يعطل المقاصد، وعن التسيب الذي يفرغ النصوص من محتواها، فقها قائما على الدليل، واعيا بالمآلات، محققا للتوازن بين الثابت والمتغير في حياة الناس.
اشتهر العلماء الموريتانيون في أرجاء العالم الإسلامي بلقب الشنقيطيين، نسبة إلى مدينة شنقيط، فكان هذا اللقب علما على العلم الراسخ، ودليلا على التمكن والتحقيق. وقد انتشر هؤلاء العلماء في الحجاز، والمغرب، ومصر، والسودان، وبلاد الشام، يحملون معهم زادا علميا متينا، ويسهمون إسهاما بارزا في التدريس في الحرمين الشريفين، والإفتاء في القضايا الكبرى، ونشر المذهب المالكي وأصوله، وإغناء المكتبة الإسلامية بالتأليف والتحقيق.
واقترنت سمعتهم العلمية بالزهد والتواضع وقوة الحفظ، حتى غدا الاسم الشنقيطي وحده كافيا للدلالة على الرسوخ في العلم، ودقة الفهم، وعمق النظر، فكانوا موضع ثقة طلاب العلم وعلمائه، ومقصدا لمن رام التلقي والتحقيق.
وفي السياق ذاته، تزخر موريتانيا بتراث مخطوط ضخم في الفقه وأصوله، محفوظ في مكتبات خاصة وعامة، ولا سيما في مدن علمية عريقة مثل وادان وتيشيت. وتمتاز هذه المخطوطات بكثرة النقول، ودقة التحقيقات، وعمق المعالجة الأصولية، مع ارتباط وثيق بالواقع الاجتماعي والقضائي الذي نشأت فيه.
وتمثل هذه الثروة المخطوطة كنزا علميا نفيسا، لا يزال كثير منه حبيس الرفوف، ينتظر من يميط عنه غبار الزمن، ويخرجه إلى دائرة التحقيق والنشر، ليأخذ مكانه اللائق في خدمة الفقه الاسلامي وأصوله، وإبراز الدور الحضاري والعلمي الذي اضطلعت به موريتانيا عبر القرون.
في العصر الحديث، واصل العلماء الموريتانيون أداء رسالتهم العلمية بروح واعية ومتجددة، فانخرطوا في المجامع الفقهية الدولية، وأسهموا في التدريس بالجامعات والمعاهد الشرعية، وتصدروا لمهام الإفتاء المعاصر، ولا سيما في القضايا المستجدة، وشؤون الأقليات المسلمة، ومساحات الحوار بين الأصالة والمعاصرة. وقد أحسنوا الجمع بين الوفاء للتراث والقدرة على استيعاب تحولات الواقع، فكان حضورهم العلمي حضورا مؤثرا، يتسم بالاتزان والعمق والمسؤولية.
وقدم هؤلاء العلماء نموذجا فريدا للعالم الرباني الذي يحمل تراثه بوعي فلا يتحجر، ويتفاعل مع واقعه ببصيرة فلا يذوب، فيحفظ للعلم هيبته، وللمنهج صفاءه، وللواقع توازنه.
وإن إسهامات العلماء الموريتانيين في الفقه وأصوله لا تمثل جهودا فردية متفرقة، بل تشكل مدرسة علمية متكاملة الأركان، قوامها الحفظ العميق، والفهم الدقيق، والمنهج الأصيل. مدرسة نجحت في صناعة عالم يجمع بين النص ومقاصده، وبين التراث ومتطلبات الواقع، وتبقى شاهدا حيا على أن الصحراء، بما فيها من بساطة وقسوة، قادرة على إنجاب أعظم العقول، وأن العلم الحق لا يحتاج إلى زخرف ولا بهرجة، بقدر ما يحتاج إلى صدق النية، وطول الصبر، وإخلاص المقصد.
أشهر علماء وفقهاء موريتانيا:
أنجبت موريتانيا عبر تاريخها الطويل نخبة مضيئة من العلماء والفقهاء الذين أسهموا إسهاما عميقا في ترسيخ مكانتها العلمية في العالم الإسلامي، حتى غدا ذكرهم مقترنا بالتحقيق المتقن، وسعة الاطلاع، وقوة الحفظ، وعمق الفهم. وقد تنوعت ميادين عطائهم بين الفقه المالكي، وأصول الفقه، وعلوم القرآن والحديث، واللغة العربية، فكانوا أعلاما يهتدى بهم في المشرق والمغرب، وحملة لواء العلم في زمن تقل فيه الهمم وتندر فيه الملكات.
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:
يعد من كبار علماء التفسير وأصول الفقه في العصر الحديث، وصاحب كتاب أضواء البيان الذي جمع فيه بين التفسير بالمأثور والتحقيق الأصولي الرصين، فكان نموذجا فريدا للجمع بين النص والدليل، والفقه والاستدلال. وقد كان له حضور علمي بارز في الحرمين الشريفين، وتتلمذ عليه طلاب علم من شتى الأقطار.
الشيخ محمد عالي بن عبد الودود:
من أعلام الفقه المالكي وأصوله، اشتهر بسعة العلم وقوة الحفظ ودقة النظر، وله شروح وتعليقات فقهية معتمدة في المحاظر الموريتانية، أسهمت في ترسيخ المنهج المالكي وتدقيق مسائله.
الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم:
فقيه مالكي بارز، ومرجع معتبر في فقه النوازل، عرفت فتاواه بالدقة، ومراعاة الأعراف، وتحقيق المصالح، مع التزام صارم بأصول المذهب وقواعده.
الشيخ محمد سالم بن عدود:
عالم موسوعي جمع بين الفقه وأصوله واللغة العربية، وكان من أبرز شيوخ المحظرة في القرن الرابع عشر الهجري، وتميز بمنهج تعليمي رصين أسهم في تخريج أجيال من طلاب العلم.
الشيخ عبد الله بن بيه:
من أبرز فقهاء المقاصد وفقه النوازل في العصر الحديث، شارك في المجامع الفقهية الدولية، وكان له إسهام واضح في قضايا السلم، وشؤون الأقليات، والاجتهاد المعاصر، مع حضور فكري عالمي يعكس عمق التكوين الأصولي للمدرسة الموريتانية.
الشيخ محمد الحسن ولد الددو:
عالم موسوعي معاصر، اشتهر بسعة الحفظ وتنوع المعارف، وجمع بين التدريس، والتأليف، والحضور الإعلامي، وله إسهامات بارزة في الفقه وأصوله وقضايا الأمة، مع محافظة واضحة على تقاليد المحظرة وروحها العلمية.
الشيخ أحمد ولد المرابط:
من الفقهاء المعاصرين المعروفين بالتحقيق والتدريس، أسهم في نشر العلم الشرعي، والمحافظة على منهج المحظرة، وربط طلاب العلم بأصول الفقه المالكي ومصادره المعتمدة.
تمثل هذه الكوكبة من العلماء نموذجا حيا للمدرسة الموريتانية في الفقه وأصوله، مدرسة تقوم على الجمع بين الحفظ والتحقيق، وبين الوفاء للمذهب المالكي والانفتاح المنضبط على قضايا العصر. وقد أسهم هؤلاء الأعلام، كل في مجاله، في ترسيخ صورة العالم الشنقيطي بوصفه مرجعا علميا موثوقا، وحلقة وصل راسخة بين تراث الأمة المجيد وواقعها المتجدد.

