خلف أبواب عابدين.. فوزية حين أغلقت باب العرش وبدأت حياتها من جديد
الرئيسية » داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. فوزية حين أغلقت باب العرش وبدأت حياتها من جديد
مقالات

داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. فوزية حين أغلقت باب العرش وبدأت حياتها من جديد

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

خلف أبواب عابدين.. فوزية حين أغلقت باب العرش وبدأت حياتها من جديد

داليا حسام – كاتبة و إستايلست

في الحلقة اللي فاتت، وصلنا مع فوزية إلى اللحظة التي بدأت فيها صورتها كملكة تتراجع من المشهد العام.

سنوات من الظهور الرسمي، والمناسبات، والصور، واللقب الذي جعلها واحدة من أشهر نساء العالم الملكي وقتها…

ثم في سنة 1945، غادرت فوزية إيران إلى مصر فيما وُصف وقتها بأنه إجازة.

لكن فوزية لم تعد إلى إيران

ومن هنا تبدأ آخر صفحات حكايتها داخل سلسلتنا.

مش لأن قصتها انتهت بمجرد خروجها من إيران، بالعكس…

لكن لأننا محتاجين نشوف ماذا حدث للمرأة التي عاشت سنوات وهي تحمل لقب الملكة، ثم عادت إلى مصر لتبدأ حياة مختلفة بعيدًا عن العرش؟

وهنا، للمرة الأخيرة، هنمشي مع فوزية حتى نهاية هذا الباب.

1. عندما أصبحت العودة إقامة

في البداية، لم يكن واضحًا أن رحلة فوزية إلى مصر ستكون نهائية.

لكن غيابها طال، وبدأت التقارير البريطانية في ذلك الوقت ترصد الشائعات حول مستقبل الزواج، بينما كان هناك أيضًا نفي رسمي لفكرة الطلاق في تلك المرحلة.

وده مهم جدًا في قراءة التاريخ.

لأن الصورة الخارجية كانت لا تزال تقول:

ملكة متزوجة من شاه إيران.

لكن الواقع كان قد تغير.

فوزية كانت في مصر، ولم تعد إلى طهران.

ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن الزواج دخل مرحلة مختلفة، وأن استمرار اللقب لم يكن معناه استمرار الحياة الزوجية بالصورة نفسها.

وهنا يظهر الفرق بين البروتوكول والحياة.

البروتوكول يستطيع أن يحافظ على صورة رسمية أمام الناس، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الحياة الخاصة أن تظل كما كانت.

2. ما الذي حدث خلف الأبواب؟

وهنا لازم نكون دقيقين.

قصة فوزية امتلأت فيما بعد بروايات كثيرة عن أسباب انهيار الزواج.

بعض الروايات تحدثت عن صعوبة الحياة داخل البلاط الإيراني، وأخرى تناولت علاقتها بعائلة الشاه، بينما نسبت روايات أخرى الانفصال إلى أسباب شخصية.

لكن التاريخ لا يُكتب من الروايات المتداولة وحدها.

السجلات البريطانية التي وصلت إلينا تسجل أخبارًا وتقارير وشائعات كانت تصل إلى المسؤولين البريطانيين، لكنها ليست مذكرات شخصية لفوزية تكشف لنا كل ما دار داخل حياتها الزوجية.

لذلك، ما نستطيع قوله بثقة هو:

فوزية غادرت إيران سنة 1945، ولم تعد إليها، واستغرق إنهاء زواجها عدة سنوات.

أما التفاصيل الدقيقة لما كان يحدث بين الزوجين خلف الأبواب، فلا يصح أن نحول كل رواية إلى حقيقة.

ودي نقطة مهمة جدًا في أي حكاية عن القصور:

أحيانًا تكون الوثيقة قادرة على أن تخبرنا بما حدث، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا بكل ما شعر به أصحاب الحكاية.

3. زواج لم يعد شأنًا خاصًا

زواج فوزية من البداية لم يكن مجرد علاقة بين رجل وامرأة.

كان زواجًا بين أسرتين حاكمتين، ولذلك اكتسب أهمية دبلوماسية واضحة.

بل إن وضع فوزية نفسه قبل الزواج ارتبط بترتيبات تتعلق بالجنسية الإيرانية وقواعد الخلافة.

ففي 9 فبراير 1939 صدر مرسوم إمبراطوري بمنحها الجنسية الإيرانية، في سياق الجدل الدستوري المتعلق بأهلية أبناء ولي العهد للخلافة.

ولهذا، عندما وصل الزواج إلى نهايته، لم يكن التعامل معه شأنًا عائليًا بسيطًا.

كانت هناك علاقة بين دولتين وأسرتين ملكيتين خلف الحكاية.

وتشير السجلات البريطانية إلى أن إنهاء الزواج استغرق سنوات، وأن التعامل معه جرى بصورة هادئة وممتدة لتقليل التداعيات الدبلوماسية.

لكن حتى هنا، لازم نفرق بين الوثيقة والتفسير؛ فقول بعض التقارير إن الزواج لم يحقق التحسن المأمول في العلاقات المصرية الإيرانية هو تقييم بريطاني معاصر، وليس حكمًا تاريخيًا مطلقًا.

4. قاسم غَني.. الرجل الذي دخل إلى آخر فصل

في مايو 1947، ظهر اسم قاسم غَني في هذه المرحلة من الحكاية.

عُيّن غَني سفيرًا لإيران في مصر، وكان من بين مهامه محاولة المساعدة في التوفيق بين فوزية ومحمد رضا.

وبحسب المرجع المتخصص في سيرته، عندما لم تنجح محاولات المصالحة، أصبح منخرطًا في ترتيبات إنهاء الزواج.

تأملوا المفارقة:

البداية كانت في قصور، واحتفالات، ومراسم، ووفود ملكية.

أما النهاية، فدخلتها الدبلوماسية والمفاوضات ومحاولات التسوية.

من قاعة الاحتفال… إلى طاولة التفاوض.

وهنا نرى مرة أخرى أن الزواج الملكي لم يكن مجرد قصة شخصية؛ كان مرتبطًا بصورة العرش وعلاقات الدولتين.

5. 1948.. انتهى الزواج

في سنة 1948 انتهى زواج فوزية ومحمد رضا بهلوي رسميًا بالطلاق. وتورد المراجع التاريخية الإيرانية هذا العام باعتباره عام انتهاء الزواج.

وهنا تغير موقع فوزية تمامًا.

لم تعد زوجة الشاه.

ولم تعد ملكة إيران.

وعادت إلى مصر بوصفها:

الأميرة فوزية فؤاد.

لكنها لم تكن الأميرة نفسها التي غادرت القاهرة قبل سنوات.

كانت قد عاشت تجربة مختلفة تمامًا.

عرفت بلاطًا آخر.

وعاشت في مجتمع ملكي له قواعده.

وأصبحت ملكة.

وأصبحت أمًا للأميرة شهناز، التي وُلدت في 27 أكتوبر 1940.

ثم عادت إلى مصر لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها.

6. ماذا بقي من الملكة بعد سقوط اللقب؟

وهنا نرجع إلى جوهر السلسلة.

من أول حلقة، وإحنا بنبص إلى الأزياء والمجوهرات والإتيكيت والبروتوكول باعتبارها أكثر من مجرد تفاصيل جميلة.

الفستان لم يكن مجرد فستان.

المجوهرات لم تكن مجرد زينة.

وطريقة الوقوف أو الدخول أو استقبال الضيوف لم تكن مجرد تصرفات عفوية.

كلها كانت جزءًا من لغة القصر.

لغة تقول للناس:

من هذه المرأة؟

ما مكانتها؟

وفي أي مناسبة تظهر؟

وما الدور الذي تؤديه؟

وفوزية عاشت هذه اللغة من الداخل.

خرجت من عابدين أميرة.

دخلت إلى بلاط آخر.

أصبحت ملكة.

ثم عادت إلى مصر بعد انتهاء زواجها.

لكن التجربة الملكية انتهت، بينما بقيت المرأة.

وهنا تظهر حقيقة مهمة:

البروتوكول يستطيع أن يصنع صورة الملكة أمام الناس، لكنه لا يستطيع أن يصنع حياتها الخاصة.

7. فوزية تختار حياة أخرى

بعد انتهاء زواجها الأول، لم تتوقف حياة فوزية عند لقب «الملكة السابقة».

في مارس 1949 تزوجت من إسماعيل حسين شيرين، وهو مصري من أسرة معروفة، وسبق أن شغل منصب وزير الحربية والبحرية في مصر.

وكان هذا الزواج مختلفًا تمامًا عن زواجها الأول.

لم يكن زواجًا بين ولي عهد وأميرة من أسرتين حاكمتين.

كان فصلًا جديدًا في حياة امرأة عادت إلى بلدها.

ومن هذا الزواج أنجبت فوزية ابنتها نادية، ثم ابنها حسين.

وهكذا أصبحت حياتها أبعد عن الصورة التي عرفها بها العالم في سنوات العرش.

8. وبعد 1952 تغيّر كل شيء

ثم جاءت سنة 1952.

وانتهى النظام الملكي في مصر.

وتغيرت الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وانتهى معها العالم الذي كانت فوزية تنتمي إليه بحكم مولدها.

لكن فوزية لم تصبح أسيرة للماضي.

عاشت في مصر، وبقيت بعيدة عن الأضواء في الجزء الأكبر من سنواتها اللاحقة.

والمرأة التي كانت يومًا على أغلفة الصحف والمجلات العالمية، أصبحت في سنواتها الأخيرة تعيش حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن عالم المراسم والقصور.

حتى وفاتها في الإسكندرية في 2 يوليو 2013 عن عمر ناهز 91 عامًا.

وهنا تنتهي الرحلة الطويلة.

9. فوزية.. أكثر من لقب

لو أردنا أن نختصر فوزية في كلمة واحدة، قد نقول:

ملكة.

لكن التاريخ لا يحب الاختصار.

فوزية كانت:

أميرة مصرية.

ابنة الملك فؤاد الأول والملكة نازلي.

شقيقة الملك فاروق.

زوجة ولي عهد إيران.

ملكة إيران.

أمًا للأميرة شهناز.

ثم امرأة عادت إلى مصر وبدأت حياة جديدة.

ثم زوجة وأمًا في حياة بعيدة عن العرش.

وأخيرًا واحدة من آخر أفراد الأسرة الملكية المصرية الذين امتدت حياتهم إلى العصر الحديث.

وعشان كده، حكايتها لا تُقرأ باعتبارها قصة زواج ملكي فقط.

هي حكاية امرأة انتقلت بين أكثر من عالم، وعاشت أكثر من صورة، ثم أكملت حياتها بعد أن انتهى اللقب.

وهنا تُسدل ستارة حكاية فوزية

ربما لا تُختصر فوزية في لقب «ملكة إيران»، كما لا تختصر في زواج بدأ وسط المراسم وانتهى بعيدًا عنها.

فحكايتها كانت رحلة كاملة بين أكثر من عالم؛ بدأت أميرة في مصر، وعاشت تجربة العرش في إيران، ثم عادت إلى وطنها لتكتب لنفسها فصلًا جديدًا بعيدًا عن الحياة الملكية.

ومن خلال فوزية، اكتشفنا أن ما نراه في صور القصور ليس سوى الجزء الظاهر من الحكاية.

وراء الفستان كان هناك دور.

وراء المجوهرات كانت هناك مكانة.

وراء الوقفة والتحية والدخول والخروج كانت هناك قواعد صنعتها المراسم والبروتوكول.

لكن خلف كل ذلك كانت هناك دائمًا امرأة، لها حياتها الخاصة، واختياراتها، وأيامها التي لا تراها عدسات القصر.

وهكذا نترك فوزية عند آخر فصل من حكايتها، لا كملكة انتهى عهدها فقط، وإنما كواحدة من النساء اللاتي عبرن أبواب القصور، وترك كل عصر منهن أثرًا مختلفًا في تاريخ الأسرة المالكة المصرية.

هنا نطوي صفحة فوزية بهدوء…

لكن حكايات عابدين لا تنتهي بخروج أميرة من أحد أبوابه.

فخلف أبواب القصر، كانت هناك ملكات وأميرات أخريات، لكل واحدة منهن حضورها، وذوقها، وعالمها الخاص، وحكاية تستحق أن تُروى.

وفي الحلقة القادمة…

نترك فوزية حيث انتهت حكايتها، ونفتح بابًا جديدًا لامرأة أخرى من نساء القصر.

وسنعود هذه المرة إلى الملكة نازلي…

المرأة التي دخلت عابدين زوجةً للملك فؤاد، وأصبحت أمًا لخمسة أبناء، من بينهم الملك فاروق، وعاشت داخل القصر سنوات تحمل الكثير من التحولات التي لم تكن تظهر كلها في الصور الرسمية.

سنقترب منها من زاوية مختلفة…

من خلال حضورها، وأزيائها، وطريقة ظهورها، وما تكشفه تفاصيل حياتها داخل القصر عن المرأة خلف لقب «الملكة».

فالقصر واحد… لكن لكل ملكة بابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *