أَخْبَارُ اليَوْمِ… بِالنِّيَابَةِ عَنَّا
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
خبرٌ عاجل:
ثمانية أشياء قررت أن تستقيل… وتطالبني بالجلوس مكانها.
لم يكن الخبر في الجريدة. كان في بيتى، حين اكتشفت أن الأشياء التي نملكها كانت، في الحقيقة، تملكنا.
الخبر الأول:
استقال العَدَّاد صباحًا. فكَّ أسلاكه من الحائط، ثم قال لي: تعالَ، اجلس مكاني.
قلت: لا أفهم إلا لغة الخوف.
فقال: من اليوم ستقف أنت وتعدّ: راتبك، وديونك، وأنفاس ابنك، وأيام الشهر، وخوفك من مصاريف الغد.
جلست مكانه. بدأت أعدّ. ثم اختلطت الأرقام بأسماء الذين أحبهم، وبأشياء أخشى فقدانها، وبأيام لم تأتِ بعد.
وفي آخر الشهر، ظهر على الشاشة: «الرصيد لا يكفي.»
واخيرا فهمت الرسالة: «مطلوب إنسان… يضيء ويطفئ دون أن ينطفئ قلبه.»
فأطفأت النور. ووجدت الظلام في داخلي أكبر من الغرفة.
الخبر الثاني:
في الظهيرة، تدحرجت أنبوبة الغاز إلى منتصف المطبخ.
وقالت: قم. لقد تعبت من حمل ناركم. كنتُ أحمل الغاز، وأنتم تحملون همومكم. فلنتبادل.
قلت: لكنني فارغ!
فضحكت وقالت: وأنا كنت ممتلئة… ولم يكن ذلك يعني أنني بخير.
وتركت على الأرض لافتةً كتب عليها: «مطلوب إنسان… صالح للإشعال، ولو كان فارغًا من الداخل.»
الخبر الثالث:
في المساء، دفع الطبيب السماعة نحوى وقال: دورك.
قلت: أنا لست طبيبًا.
قال: وأنا لستُ قادرًا على علاج كل هؤلاء… ضع السماعة على صدر المدينة.
فسمعت سعالًا بعيدًا. ثم تنهدًا. ثم قلبًا يخفق بسرعة.
لكنه ترك لي روشتةً بيضاء فأدركت أن بعض الأمراض لا تحتاج إلى طبيب… بل إلى حياةٍ لم نعشها بعد.
الخبر الرابع:
في الصباح التالي، اختفى طابور الخبز. لم يأتِ أحد. فقط مكانٌ طويل يشبه جرحًا ممتدًا أمام المخبز.
وسمعت صوتًا من آخر الطابور:
تعالَ وقف مكاني.
قلت: ولكن لا يوجد خبز!
فقال:أنا لا أقف من أجل الخبز؟
تقدمت. وقفت. طال الطابور. ثم قصر.
نظرت خلفي…
فوجدتني واقفًا في طابورٍ آخر.
طابور من الحكايات.
ومن الديون.
ومن المرضى.
ومن الذين ينتظرون كلمةً لا تأتي.
ومن الذين ينتظرون إنصافًا تأخر كثيرًا.
وعند قدمي ظهرت لافتة:
«مطلوب إنسان… يقف مكان الأزمة، حتى بعد أن يختفي سببها.»
عندها فهمت: لم يكن الطابور أمام المخبز. كان في صدري.
We stand in lines that have no end,
Waiting for bread, for fate to mend.
الخبر الخامس:
في المساء، خرجت البطاقة المصرفية، الفيزا، من محفظتي.
وطالبتتى بتبادل الأدوار.
فقالت: أنا أُدخل في آلة، فتخرج أرقامًا. وأنت تدخل الحياة، فتخرج منها مستنزفًا.
من اليوم ستُمرَّر أنت في الماكينات.
سيُخصم منك.
سيُرفض طلبك.
ستظهر أمامك عبارة «الرصيد غير كافٍ» كلما حاولت شراء شيء اسمه حلم.
وتركت لي رسالة: «مطلوب إنسان… يُسحب منه حتى يصدق أنه اشترى نفسه.»
لم تكن البطاقة تحمل مالًا. كانت تحمل سنواتي وأمنياتي الصغيرة لأيام كنت أظن أنها ستأتي.
We pay the price, we lose the gain,
And buy our dreams with years of pain.
الخبر السادس:
في ليلة مزدحمة، توقف مترو الثامنة في منتصف النفق.
وقال: من اليوم أنت الذي سيحمل الناس.
وأنت الذي سيمشي تحت الأرض كي يستطيع الذين فوقها أن يتنفسوا.
ثم دفع إليَّ عجلة القيادة. كان النفق طويلًا إلى درجة أنني شعرت أنني لا أقود قطارًا… بل أقود يومي. لكنى حين أمعنت النظر، اكتشفت أن القطار كان يسير داخل صدري.
الخبر السابع:
في المدرسة، طارت ورقة الامتحان واستقرت على مقعدي.
ثم قالت: اكتب مستقبلك بالقلم الرصاص.
قلت: لماذا؟
قالت: لأنهم سيُمحونك لاحقًا.
نظرت إليها. فوجدت الأسئلة تتغير.
السؤال الأول: ماذا فعلت بعمرك؟
السؤال الثاني: من الذي كنتَ تظن أنك ستكونه؟
السؤال الثالث: كم مرة كتبت إجابةً تعرف أنها خاطئة، فقط لأن الآخرين ينتظرونها؟
ثم ظهر السؤال الأخير: «مطلوب إنسان… يتحمل فشل دفعة كاملة دون أن يمزق نفسه.»
وضعت القلم. كانت الورقة فارغة.
ليس لأنى لم أعرف السؤال.بل لأنى لم اجرؤ على الإجابة.
الخبر الثامن:
كان كرسي الميكروباص المجاور للسائق فارغًا.
وفجأة قال: اجلس مكاني لتتحمل من يتشاجر، ومن يصرخ، ومن ينسى أن خلف كل وجهٍ إنسانًا آخر.ستقوم في كل محطة.
وستعود إلى مقعدك حين لا يعود لك مكان.
ثم علّق على ظهره ورقة: «مطلوب إنسان… يجلس ليحتمل ما عجزت المقاعد عن احتماله.»
وفهمت أخيرًا.
الأشياء لا تتعب. العداد لا يخاف من نهاية الشهر. والأنبوبة لا تخشى الغد. والطابور لا يشعر بطول الانتظار. والورقة لا تخاف النتيجة. والكرسي لا يحمل إهانة الجالسين.
نحن وحدنا من نعطي الأشياء ظهورنا… ثم نتساءل لماذا انحنت ظهورنا.
جلست أمام باب البيت. وكتبت على باب قلبي: «مطلوب إنسان… يرفض أن يعيش بالنيابة عن أحد بشرك أن يكون حيًّا»
انتظرت. مرَّت ساعات، لم يتقدم أحد.



