محمد عبد الله القاضي يكتب : أفيقوا قبل فوات الأوان: معركة الوعي وصون الهوية - النايل نيوز
الرئيسية » محمد عبد الله القاضي يكتب : أفيقوا قبل فوات الأوان: معركة الوعي وصون الهوية
مقالات

محمد عبد الله القاضي يكتب : أفيقوا قبل فوات الأوان: معركة الوعي وصون الهوية

كتب المقال بواسطة أ/

محمد عبد الله القاضي يكتب

 

أفيقوا قبل فوات الأوان: معركة الوعي وصون الهوية

تستنهض الأممُ عزائمَها حين تتكاثَفُ حولَها الظُّلَم، وتستفيقُ الشعوبُ حتَّى لا تقعَ في حبائلِ الغفلة؛ فالأوطانُ لا تُهدمُ دوماً بصهيل الخيلِ وزئيرِ المدافع، بل كثيراً ما تُستباحُ حِصُونها من الداخل حين ينخرُ السوسُ في جِذارِ الثوابت، ويستشري الوهنُ في أركانِ القِيَم والعقيدة.

إنَّ المحروسةَ -بِحِفظِ اللهِ وتاريخِها المَجيد- لم تزل قلعةً صامدةً بسندِ أبنائِها الطيبين، أجيالٍ جُبلت على الطهارة والتحابب، وتحلّت بوطنيةٍ صادقةٍ تتسامى عن سفاسفِ الأمور. غيرَ أنَّ صَون هذا الإرثِ العظيمِ يتطلّبُ عيناً بَصيرةً تدركُ حقيقةَ المعاركِ المعاصرة؛ إذ لم يَعُد العدوُّ يحتاجُ بالضرورة إلى تحريك جيوشِه ليُسقِطَ الدول، بل صار يراهنُ على “تفكيكِ المَفهوم” وإضعافِ “الإنسان”.

حين تتأجَّجُ الأزماتُ وتتضافرُ الضغوطُ -من تغريبٍ للوعي، وتدميرٍ للثقةِ بالمؤسسات، وإضعافٍ للاقتصاد والتعليم، وتأجيجٍ للانقساماتِ المجتمعية- فإن الهدفَ الغائيَّ المبيتَ ليس إلا سلبَ الأمةِ قوتَها الذاتية؛ ليَسهُلَ توجيهُها وتجريدُها من إرادتها في مقاومةِ المخططاتِ المشبوهة والكياناتِ الغاشمة.

ومربطُ الفرسِ في هذه المواجهةِ هو الأسرةُ والتربية؛ فالبيتُ هو المصنعُ الأولُ للرجال، والمِعجنُ الأساسيُّ لبناء الشرفِ والشهامة. وإن الاستهانةَ بدورِ الأبِ والتربيةِ الحازمة، واستبدالَ المبادئِ الرصينة بالميوعةِ والتساهل، يُنتجُ أجيالاً هشة لا تُقيمُ وزناً لمسؤولية، ولا تُؤتَمَنُ على حمايةِ ثغورِ الوطن.

إن التنميةَ الحقيقيةَ لا تبدأُ إلا من بناء رأس المال البشريّ وتزكيته؛ فعلموا أبناءكم أن الاستقرارَ والعفافَ وتأسيسَ أسرةٍ متماسكة هو أوَّلُ صديدٍ في وجه الطوفان. غرسُ التقوى، وإحياءُ نور اليقين، وتبصيرُ النشءِ بالمؤامراتِ التي تستهدفُ هويتَهم، هي أدواتُ النصرِ الحقيقية.

إن هذا الشعبَ الأبيَّ القادرَ على صنعِ التاريخ متى ما استعادَ جوهرَ شخصيته وعُمقَ أصالتِه، كفيلٌ بأن يُبددَ كلَّ غيمةٍ داكنة. فلْنستمسكْ بغرسِ أجدادِنا، ولْنحاربْ سوسَ الفكرِ الهدّام، ولْنَبْنِ عقلاً يُميزُ الزيفَ من الحق؛ لتبقى مصرُ كما كانت دائماً: كنانةَ اللهِ في أرضِه، ودرعاً حصيناً للأمةِ بأسرِها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *