وجه مشرق من بلادي   - النايل نيوز
الرئيسية » وجه مشرق من بلادي  
مقالات

وجه مشرق من بلادي  

كتب المقال بواسطة أ/

وجه مشرق من بلادي

لا شارع باسمه، ولا محور، ولا محطة مترو

الشيخ علي يوسف البلصفوري… الذي هز عرش الاحتلال بقلم

بقلم: الكاتب والباحث / أشرف بن ماضي

 

من قلب الصعيد… من طين سوهاج ونيلها… خرج رجل واحد فزل إمبراطورية.

 

من قرية بلصفورة التي لا يعرفها الإنجليز، خرج الشيخ علي يوسف البلصفوري ليكتب بالحبر ما عجزت المدافع عن فعله.

 

أولا: قلم كان أخطر من البارود

في عام 1889م، وفي ذروة جبروت الاحتلال، أسس جريدة المؤيد.

لم تكن صحيفة… كانت قنبلة.

كانت المؤيد هي صوت مصر الذي لا يستطيع اللورد كرومر أن يكممه.

كانت تجلد الاستعمار كل صباح على صفحاتها، وتوقظ النائم، وتفضح الخائن، وترفع رأس الفلاح.

قالوا عنه: لسان مصر الناطق. وقال الإنجليز: أخطر رجل في مصر.

ولم يكتف بالصحافة، بل ألف كتبا في تاريخ الصحافة والخطابة، فكان أول من صاغ المقال السياسي الناري في مصر، وعلم الأجيال التي تلته كيف يكون القلم سلاحا.

 

ثانيا: قلب كان أوسع من الوطن

في عام 1911م، والدماء تسيل في ميادين الوطن، لم يقل ما لي.

بل أنشأ جمعية الهلال الأحمر المصري.

أول جمعية إغاثة في مصر والعالم العربي.

حمل المصاب… وداوى الجريح… وأطعم الجائع.

علم المصريين معنى أننا جسد واحد. من سوهاج إلى القاهرة… من القرية إلى الميدان.

 

ثالثا: مواقف سجلها التاريخ

كان تلميذا للإمام محمد عبده، فنهل منهل التجديد.

وحين اعتقل الإنجليز سعد زغلول، كان قلم المؤيد هو الشرارة الأولى للثورة.

ووقف في وجه محاولات فرض اللغة الإنجليزية في المدارس قائلا: من فرط في لغته فرط في وطنه.

وتولى وزارة المعارف في حكومة سعد زغلول، ففتح المدارس لأبناء الفلاحين.

 

رابعا: رد الاعتبار

المفارقة أن الرجل الذي هز عرش الاحتلال، ظل مغيبا عن أبناء محافظته سنين.

لا شارع باسمه في سوهاج، ولا مدرسة، ولا تمثال يليق به.

وهذا المقال محاولة لرد جزء من الدين لرجل من بلصفورة علّم مصر معنى الكرامة.

فالصعيد لا ينجب رجالا فقط، بل ينجب من يغيرون وجه مصر.

 

خامسا: رؤية سبقت عصرها

لم يقتصر هم الشيخ علي يوسف على مصر وحدها.

ففي جريدة المؤيد عام 1909م حذر من الخطر الصهيوني في فلسطين وكتب: فلسطين في خطر.

وكان من أوائل الصحفيين العرب الذين نبهوا الأمة إلى ما يحاك لها.

كما أن جمعية الهلال الأحمر المصري التي أسسها انضمت إلى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فصار اسمه مسجلا في سجلات العمل الإنساني العالمي.

 

سادسا: خاتمة الرجال

مات الرجل عام 1930م فقيرا مديونا. باع بيته ليسدد ديون جريدته.

فرح الإنجليز بموته وكتبوا: سقط آخر قلم حر في مصر.

ورغم ذلك تم تجاهل اسمه في كتب التاريخ… لأنهم يخافون أن يعرف أبناء الصعيد أن واحدا منهم هز عرش لندن.

 

سابعا: الإرث الحي

لم يمت علي يوسف البلصفوري بموت جسده.

فكل كلمة حق تكتب اليوم هي امتداد لقلم المؤيد.

وكل متطوع في الهلال الأحمر يحمل المصاب هو تلميذ لتلك المدرسة التي أسسها من بلصفورة.

وكل صحفي حر يجلد الباطل هو وريث لذلك الرجل الذي باع بيته ولم يبع قلمه.

إن إرثه لا يقاس بالشوارع التي لم تسم باسمه، بل بالأفكار التي لا تزال تهز عروش الظلم.

 

الخلاصة

علي يوسف البلصفوري ليس تاريخا… هو سلاح.

سلاح لكل شاب من سوهاج.

سلاح نقول به للعالم: من هذه الأرض خرج من كتب التاريخ بقلم، وبنى الوطن بقلب، وحذر من مستقبل الأمة.

اليوم ونحن نرى الهلال الأحمر يرف في كل كارثة، فلنتذكر أن أول من غرس هذه الشجرة كان رجلا من بلصفورة اسمه علي يوسف.

 

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى.

وليعلم الجميع أن نبض سوهاج لا يزال يدق في عروق مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *