الهند وفخ الإستقطاب الثنائى بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية:
معضلة الهند مع الصين والولايات المتحدة: لماذا تُخاطر نيودلهى بالوقوع فى فخ الثنائية القطبية؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
مفهوم مجموعة الدولتين
(The G2)
بين الولايات المتحدة والصين يُعدّ إقصائياً معيارياً ومُقيّداً إستراتيجياً، بالنظر لأن القيود المتأصلة في إطار مجموعة الدولتين – كالتسلسل الهرمى، وبنية السلطة،
والقيود المنهجية – تجعله غير قابل للتطبيق فى واقع متعدد الأقطاب.
وهو ما أوافق تماماً عليه، فمفهوم “مجموعة الدولتين” غير عملى، ويُمثّل إقصاءً إستراتيجياً للعديد من الفاعلين الدوليين فى نظام عالمى متعدد الأقطاب
نظام يتسم بتوزيع معقد للسلطة ومراكز صنع قرار متعددة. وتتمثل القيود الهيكلية والسياسية فيما يلى:
• التسلسل الهرمى غير المقبول: يحاول هذا الإطار فرض ثنائية قطبية تتجاهل صعود قوى إقليمية ودولية كبرى مثل الإتحاد الأوروبى والهند وروسيا.
• إنعدام المرونة المنهجية: يعجز هذا الإطار عن إستيعاب القضايا العالمية التى تتجاوز الحدود وتتطلب تعاوناً جماعياً واسع النطاق، وليس مجرد تفاهمات ثنائية.
• تضارب المصالح: إن التنافس الإستراتيجى والجيوسياسى الحالى بين واشنطن وبكين يجعل إدارة النظام الدولى من خلال حوكمة مشتركة أمراً مستحيلاً.
فالتضارب الهيكلي فى المصالح بين واشنطن وبكين يجعل الإدارة المشتركة للنظام الدولى مستحيلة،
وسط صراع محموم على الريادة التكنولوجية والهيمنة الإقتصادية وإعادة صياغة قواعد الأمن القومى. ويتجلى ذلك فى:
– أولاً: جذور الصراع الإستراتيجى
أ) تحدى الهيمنة: تسعى الصين إلى إعادة صياغة القواعد الدولية وتحدى الهيمنة الأمريكية المطلقة.
ب) التحول الأمريكى: تتبنى واشنطن إستراتيجية المواجهة والإحتواء للحد من النفوذ الصينى وسلاسل التوريد.
– ثانياً: ساحات الصراع الدولى
أ) التكنولوجيا والتجارة: حرب الرقائق الإلكترونية، والتعريفات الجمركية، والسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة.
ب) السيادة الإقليمية: تصاعد التنافس فى بحر الصين الجنوبى وقضية تايوان.
وفى هذا الإطار، تحوّلت سياسة “ترامب” تجاه الصين من المواجهة إلى التوافق.
ولكن الإدعاء بأن سياسة “دونالد ترامب” تجاه الصين قد تحوّلت تماماً من المواجهة إلى “التوافق” غير دقيق.
إنه مجرد تحوّل سطحى نحو خفض التصعيد وإدارة النزاعات عبر الإتفاقيات، بينما يبقى التنافس الجيوسياسى والهيكلى الكامن محتدماً.
– مظاهر خفض التصعيد والإتفاقات (التوافق التكتيكى)
● القمم الدبلوماسية: زيارة دولة إلى بكين فى منتصف مايو ٢٠٢٦ وقمم متكررة مع الرئيس “شى جين بينغ” لخفض حدة التوترات المتصاعدة.
● التسويات التجارية: تخفيض مؤقت لبعض الرسوم الجمركية المتبادلة وإبرام صفقات كبرى،
مثل (طلبات طائرات بوينغ وتخفيف القيود المفروضة على رقائق الرقائق الإلكترونية للشركات الكبرى).
● إدارة الأزمات الإقليمية: السعي إلى تنسيق حذر أو تحييد دور الصين فى بعض أزمات الطاقة والشحن العالمية.
– ثوابت الصراع والمواجهة (المنافسة المستمرة)
١) القيود التكنولوجية والهيكل الاقتصادي: لا يزال جوهر الصراع المعقد حول الملكية الفكرية والسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة دون حل.
٢) الضغوط القانونية والمؤسسية: إستمرار القيود والتشريعات المتبادلة، مع تفعيل الصين “قانون الحظر” لمواجهة العقوبات الأمريكية خارج حدودها.
٣) ملف تايوان والإستراتيجية العسكرية: تباين المصالح الإستراتيجية الرئيسية والردع العسكرى فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ.
ولأجل ذلك، تسعى الصين إلى الظهور على قدم المساواة مع واشنطن. لقد منحت الصين ترامب كل ما أراده، لكن دون أى شىء جوهري.
تم إستبعاد ملف تايوان من طاولة المفاوضات فى قمة بكين فى مايو ٢٠٢٦. ولذلك، تتباين التقييمات السياسية لقمة بكين التي عُقدت فى مايو ٢٠٢٦.
وهنا، يعتقد البعض أن الصين نجحت فى ترسيخ مكانتها كمنافس لواشنطن، بينما يرى آخرون أن النتائج تراوحت بين مكاسب رمزية وإستمرار الغموض بشأن قضايا مثل تايوان والاتفاقيات التجارية.
يمكن تلخيص أبعاد القمة والقضايا العالقة على النحو التالى:
• التكافؤ الدولى: سعت بكين إلى ترسيخ صورتها كقوة عظمى قادرة على منافسة الولايات المتحدة وإدارة الصراع على النفوذ معها.
• موقف تايوان: غابت تايوان بطبيعة الحال عن المحادثات الثنائية المباشرة بين الزعيمين، وسط تحذيرات صينية شديدة اللهجة لواشنطن بشأن مخاطر بيع الأسلحة للجزيرة.
• المكاسب المتبادلة: تباينت الآراء بشأن مدى التنازلات. ويرى المحللون أن إدارة ترامب لم تحصل على أي التزامات جوهرية وحاسمة بشأن بعض القضايا الإقليمية مقابل تخفيف مؤقت للتوترات التجارية.
سعت بكين إلى ترسيخ صورتها كقوة عظمى قادرة على منافسة الولايات المتحدة وإدارة الصراع على النفوذ معها.
وتهدف إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى تضاهي واشنطن من خلال مجموعة متنوعة من الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية،
تُدار بمهارة عبر سياسة الرد التدريجي وإدارة المنافسة الدولية. ويتحقق ذلك من خلال:
– أولاً: الأدوات الإقتصادية والتكنولوجية
● المعادن الأرضية النادرة: السيطرة على إنتاج المواد الخام الحيوية للتقنيات المتقدمة وفرض قيود على تصديرها.
● الحرب التجارية: رد متبادل وتدريجي على التعريفات الأمريكية للتخفيف من آثار الضغوط الاقتصادية.
● سلاسل التوريد: الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق لتعزيز طرق التجارة العالمية.
– ثانياً: الحضور الجيوسياسى والدبلوماسى
● التعددية القطبية: دعم نظام دولي جديد يحد من الهيمنة الأمريكية الأحادية
● الشراكات والتحالفات: توسيع النفوذ الدبلوماسى والإقتصادى فى مناطق حيوية كأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وبخصوص التساؤلات حول هل الصداقة الأمريكية الصينية تضر بالهند، وكذلك الصراع الداخلى بينهما. وإلى أى مدى أتفق مع هذا الرأى،
فالحقيقة أننى أتفق جزئياً مع هذا الرأى، فالتفاعل بين واشنطن وبكين يحمل مكاسب ومخاطر للهند. يمنح الصراع نيودلهي هامشاً إإستراتيجاً للمناورة وتوافقاً أمنياً مع الولايات المتحدة،
لكن الصراعات الحادة أو التقارب المفاجئ بين العملاقين قد يمارس ضغوطًا إقتصادية وسياسية على مصالح الهند.
– أولاً: مخاطر الصراع والصداقة بين الولايات المتحدة والصين على الهند
• الإتفاقات الثنائية بين واشنطن وبكين: إذا توصلت القوتان إلى إتفاقيات تجارية أو إستقرار إستراتيجى دون مشاركة الهند، فقد يقلل ذلك من أهمية نيودلهى كحليف أساسى لإحتواء الصين.
• الضغوط الإقتصادية والتجارية: تؤثر الصراعات والتوترات العالمية والتعريفات الجمركية المتبادلة على إستقرار الأسواق وسلاسل التوريد التى تعتمد عليها الهند.
• التصعيد العسكرى الإقليمى: يزيد الصراع المباشر من إحتمالية إنخراط الهند فى المنطقة بسبب نزاعاتها الحدودية المباشرة مع الصين.
– ثانياً: الفرص والمكاسب التي تجنيها الهند من المنافسة
● تعزيز الشراكات الاستراتيجية: تدفع المنافسة بين الولايات المتحدة والصين واشنطن والدول الغربية إلى تعميق التعاون العسكري والتكنولوجي مع الهند لموازنة نفوذ بكين.
● إستراتيجية الإستقلال المتعدد: تستفيد الهند من المنافسة من خلال تطبيق سياسة “التحالف المتعدد”، ما يحمى إستقلاليتها فى صنع القرار دون الإعتماد كلياً على أى طرف.
وهنا، يمثل التفاعل بين واشنطن وبكين فرصاً ومخاطر للهند، أبرزها هامش المناورة الإستراتيجى، والتعاون الأمنى مع الولايات المتحدة،
والضغوط الإقتصادية المحتملة. ويمكن تقييم المكاسب والمخاطر على النحو التالى:
– المكاسب الإستراتيجية
دور المناورة: تُوازن نيودلهى بمهارة علاقاتها بين القوتين●
● التعاون الأمنى: تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة ودول الحوار الرباعى لمواجهة النفوذ الصينى.
● المكاسب الإقتصادية: تسعى الشركات العالمية إلى نقل مصانعها من الصين إلى الهند.
– المخاطر والتهديدات
• التصعيد العسكرى: قد يُجبر الصدام المباشر الهند على الإنحياز لأحد الطرفين.
• التقارب المفاجئ: أى إتفاق كبير بين الولايات المتحدة والصين قد يُهمّش دور الهند الإقليمى.
• الضغوط الإقتصادية: قد تتأثر الأسواق وسلاسل التوريد بأى توترات تجارية بين العملاقين.
وبعيداً عن الولايات المتحدة والصين، تسعى الهند ودول أخرى إلى بناء تحالف “مجموعة ثنائية” لمنطقة المحيطين الهندى والهادئ.
وهنا يكمن الخطأ الجوهرى فى هذا البيان فى وصف الهند ودول أخرى بأنها تُنشئ تحالف “مجموعة ثنائية” مع الولايات المتحدة والصين.
يشير مفهوم “مجموعة ثنائية” فى الواقع إلى هيمنة ثنائية محتملة أو إدارة مشتركة للعالم من قِبل واشنطن وبكين فقط،
بينما تتبنى الهند وقوى إقليمية أخرى إستراتيجية تُعرف بإسم “مجموعة ثنائية” لتوسيع خياراتها نحو الإستقلال. ويمكن فهم ذلك من خلال:
تتبنى الهند سياسة الإستقلال الإستراتيجى وترفض أى نظام ثنائى القطب أو هيمنة مشتركة بين الولايات المتحدة والصين تُقلل من دور القوى الصاعدة.
– إستراتيجية “الحد الأدنى للتأثير الإقليمى”:
تعمل نيودلهى مع شركاء، مثل (وزارة الخارجية اليابانية، وأستراليا، وإندونيسيا)، لبناء شبكة من الشراكات المرنة التى توازن بين النفوذ وحماية المصالح الإقليمية.
هنا، يصف بيان “ما وراء الولايات المتحدة والصين، الهند وغيرها تبنى “تحالفاً ثنائياً” لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ” بدقة
تحوّل القوى الإقليمية الكبرى كالهند نحو بناء شبكة من الشراكات الإستراتيجية المستقلة،
مبتعدةً عن الهيمنة الثنائية للولايات المتحدة والصين. ويتحقق ذلك من خلال:
– مفاهيم التحالفات الدولية
● مفهوم مجموعة العشرين: يشير إلى إدارة عالمية مشتركة أو هيمنة ثنائية محتملة تقتصر على واشنطن وبكين.
● مفهوم التحالف الثنائى: يعبّر عن إستراتيجية القوى المتوسطة المتمثلة فى توسيع تعاونها الإقتصادى والدفاعى مع دول، مثل (أستراليا واليابان وإندونيسيا وكوريا الجنوبية) لحماية إستقلالها الإستراتيجى.
– أبعاد إستراتيجية التحالف الثنائى
● تنويع الشراكات: تجنب الوقوع فى فخ الإستقطاب الثنائى بين القوتين العظميين.
● تأمين الممرات البحرية وسلاسل الإمداد: بناء تكتلات إقليمية مرنة لتعزيز الإستقرار
الهند وفخ الإستقطاب الثنائى بين
الصين والولايات المتحدة الأمريكية: معضلة الهند مع الصين والولايات المتحدة: لماذا تُخاطر نيودلهى بالوقوع فى فخ الثنائية القطبية؟

