ليبيا في عيد الفاتح.. ذاكرة وطن تبحث عن المستقبل
بقلم: رامي السيد
نائب رئيس شبكة النايل الإخبارية
في كل عام، تعود ذكرى عيد الفاتح في ليبيا لتفتح واحدًا من أكثر فصول التاريخ الليبي حضورًا في الذاكرة السياسية، وتعيد إلى الواجهة أسئلة الوطن والسيادة والقرار الوطني، وما تركته تلك المرحلة من تأثيرات امتدت لسنوات طويلة.
هي ذكرى يختلف الليبيون والعرب في قراءتها وتقييمها، لكنها تظل محطة تاريخية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مسيرة الدولة الليبية وتحولاتها السياسية.
فالتاريخ لا يُقرأ من زاوية واحدة، ولا تُختزل سنوات كاملة في شعار أو موقف، وإنما تُقرأ الأحداث في سياقها، وتُترك الوثائق والوقائع وشهادات الأجيال لتقدم صورة أكثر اكتمالًا عن الماضي.
عيد الفاتح.. حين أصبحت السيادة عنوانًا
ارتبطت ذكرى الفاتح، في خطاب أنصارها، بمفاهيم الاستقلال والسيادة ورفض التبعية والتمسك بالقرار الوطني، ورأوا فيها بداية لمرحلة جديدة في تاريخ ليبيا.
ومهما اختلفت الرؤى السياسية حول تلك المرحلة، فإن مفهوم السيادة الوطنية يظل قضية تتجاوز الأشخاص والأنظمة؛
فالدولة القوية هي التي تمتلك قرارها، وتحمي حدودها، وتصون مقدراتها، وتضع مصلحة شعبها في مقدمة أولوياتها.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة التاريخ بعيدًا عن الانفعال؛ فلا تمجيد مطلق، ولا إدانة مطلقة، وإنما بحث عن الحقيقة والدروس التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال الجديدة.
ليبيا.. وطن أكبر من أزماته
اليوم، تقف ليبيا أمام اختبار جديد.
فهذا البلد الذي يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وامتدادًا عربيًا وإفريقيًا ومتوسطيًا، لا يستحق أن تظل إمكاناته رهينة الانقسامات والصراعات.
ليبيا ليست مجرد مساحة على خريطة شمال أفريقيا.
إنها دولة تمتلك موقعًا استراتيجيًا يجعل استقرارها قضية تتجاوز حدودها، ويجعل وحدتها ومؤسساتها الوطنية عنصرًا أساسيًا في أمن المنطقة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الليبيين اليوم ليس فقط في قراءة الماضي، وإنما في صناعة مستقبل لا تدفع فيه الأجيال الجديدة ثمن خلافات الأجيال السابقة.
مصر وليبيا.. جغرافيا تصنع التاريخ
وعندما نتحدث عن ليبيا، لا يمكن أن نتجاهل مصر.
فالعلاقة بين الشعبين المصري والليبي أعمق من المصالح السياسية العابرة، وأقدم من أي ظرف إقليمي طارئ.
حدود مشتركة، وروابط اجتماعية وتاريخية، وتشابك اقتصادي وبشري، ومصالح أمنية واستراتيجية تجعل استقرار البلدين مرتبطًا بصورة وثيقة.
ومن المنظور المصري، فإن ليبيا الآمنة والمستقرة والموحدة تمثل مصلحة مباشرة لمصر،
كما أن الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ومؤسسات الدولة ودعم المسار السياسي الليبي يمثل أهمية كبيرة لأمن المنطقة بأكملها.
لا مستقبل بلا دولة
ربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن تحملها أي ذكرى وطنية هي أن الدولة أقوى من الأفراد، والوطن أبقى من الأنظمة، والشعوب هي التي ترث التاريخ وتتحمل نتائجه.
ولهذا، فإن ليبيا تحتاج اليوم إلى تجاوز منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن الانقسام إلى التوافق، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات.
فلا تنمية حقيقية دون استقرار، ولا استقرار دون مؤسسات قوية، ولا مؤسسات قوية دون توافق وطني يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.
التاريخ لا يتوقف عند الماضي
إن الاحتفال بذكرى تاريخية لا يعني بالضرورة الاتفاق على كل ما جرى خلالها.
فالذاكرة الوطنية مساحة للتأمل، والنقاش، والمراجعة، واستخلاص الدروس.
وقد يكون السؤال الأهم في هذه المناسبة:
ماذا تريد ليبيا أن تكون بعد سنوات من الآن؟
هل تستمر في الدوران حول خلافات الماضي، أم تبدأ في كتابة فصل جديد عنوانه الدولة والوحدة والتنمية؟
الإجابة ليست في الشعارات.
الإجابة في قدرة الليبيين على بناء مؤسساتهم، وحماية ثرواتهم، وصون سيادتهم، وخلق بيئة سياسية واقتصادية تسمح للأجيال القادمة بأن تعيش في وطن مستقر وآمن.
ليبيا تستحق أن تكتب مستقبلها بنفسها
في ذكرى عيد الفاتح، تظل ليبيا أمام مسؤولية تاريخية أكبر من مجرد استعادة أحداث الماضي.
إنها مسؤولية بناء المستقبل.
مستقبل تكون فيه وحدة ليبيا خطًا أحمر، وسيادتها مبدأً ثابتًا، وثرواتها ملكًا لشعبها، ومؤسساتها فوق الصراعات، والتنمية هدفًا لا يتغير.
فالأوطان لا تعيش على ذكريات الماضي وحدها، مهما كانت عظيمة في نظر أصحابها.
الأوطان تعيش عندما تحسن صناعة حاضرها، وتملك الشجاعة لفتح الطريق أمام مستقبلها.
تحية إلى ليبيا وشعبها في هذه الذكرى، وتحية لكل من يعمل من أجل ليبيا موحدة، آمنة، مستقرة، وقادرة على كتابة تاريخها ومستقبلها بإرادة أبنائها.
ليبيا لا تحتاج إلى أن تعيش أسيرة الماضي… بل تحتاج إلى أن تجعل من تاريخها درسًا، ومن حاضرها بداية، ومن مستقبلها مشروع وطن.


