لقاء مع قاهر خط بارليف البطل إسماعيل بيومي.. حكاية بطل من أبطال حرب أكتوبر
الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026
الرئيسيةمقالاتلقاء مع قاهر خط بارليف.. البطل إسماعيل بيومي يروي ملحمة العبور
مقالات

لقاء مع قاهر خط بارليف.. البطل إسماعيل بيومي يروي ملحمة العبور

لقاء مع قاهر خط بارليف.. البطل إسماعيل بيومي يروي ملحمة العبور

 

بقلم: المؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

 

في سجل أبطال حرب أكتوبر، تظل هناك حكايات لا تُروى بالأرقام وحدها، وإنما تُكتب بدماء الرجال الذين عبروا إلى الضفة الشرقية تحت وابل النيران،

وفتحوا الطريق أمام قوات الجيش المصري لتصنع واحدة من أعظم ملاحم العسكرية المصرية.

 

ومن بين هؤلاء الأبطال، يأتي اسم البطل إسماعيل بيومي، أحد أبناء مدينة الإسماعيلية، وابن منطقة القناة التي كانت طوال سنوات الحرب خط الدفاع الأول عن مصر،

والتي تحمل أهلها مرارة التهجير، قبل أن يعود أبناؤها إلى أرضهم مرفوعي الرأس بعد تحقيق النصر.

من مرارة التهجير إلى طريق الثأر

تشرفت وسعدت بصداقتي للبطل إسماعيل بيومي، الذي عايش واحدة من أصعب صفحات التاريخ المصري الحديث.

فعقب نكسة يونيو 1967، عانت أسرته، شأنها شأن آلاف الأسر من أبناء مدن القناة، مرارة التهجير، فغادروا منزلهم وممتلكاتهم إلى محافظة الشرقية، على أمل العودة يومًا إلى أرضهم بعد تحقيق النصر.

وبعد أن اطمأن إسماعيل إلى استقرار أسرته في مكان إقامتها الجديد، انضم إلى صفوف القوات المسلحة، شأنه شأن شقيقيه؛

حيث خدم شقيقه الأكبر في القوات البحرية، بينما التحق إسماعيل بسلاح المهندسين، وانضم شقيقه الأصغر إلى قوات الدفاع الجوي.

ثلاثة أشقاء في ثلاثة أسلحة، جمعهم هدف واحد: الاستعداد لمعركة استرداد الأرض والكرامة.

سلاح المهندسين.. الطريق إلى العبور

كان لسلاح المهندسين دور محوري في الاستعداد لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.

ومن أبرز المهام التي اضطلع بها رجال السلاح فتح الثغرات في الساتر الترابي،

باستخدام مضخات المياه التي تعمل على ضخ مياه القناة لإزالة الرمال وفتح ممرات تسمح للقوات والمعدات بالعبور.

وكان البطل إسماعيل بيومي قائدًا لإحدى هذه الزوارق المكلفة بتنفيذ تلك المهمة.

ولم تتوقف مهام رجال المهندسين عند فتح الثغرات، بل شملت أيضًا إنشاء الكباري اللازمة لعبور القوات والمعدات،

وتمهيد طرق المرور، وإزالة العوائق الهندسية التي أقامتها القوات الإسرائيلية، بما في ذلك الأسلاك الشائكة والألغام والتحصينات.

لقد كان رجال المهندسين، ببساطة، يعملون على فتح الطريق أمام الجيش المصري نحو سيناء.

 

السادس من أكتوبر.. لحظة العبور

في السادس من أكتوبر 1973، تلقى إسماعيل بيومي أوامر بالاستعداد لتنفيذ المهمة على شاطئ قناة السويس.

وأثناء توجهه مع زملائه إلى نقطة التنفيذ، شاهد الطائرات المصرية وهي تنطلق على ارتفاع منخفض فوق رؤوسهم باتجاه سيناء،

قبل أن ينطلق هدير المدفعية المصرية، وهي تقصف مواقع القوات الإسرائيلية ودشمها وتحصيناتها على امتداد خط بارليف.

كانت لحظة طال انتظارها.

وبعد بدء العمليات، صدرت الأوامر إلى إسماعيل بالعبور بزورقه إلى الضفة الشرقية، لتنفيذ مهمة فتح ثغرة في قطاع الجيش الثالث، بالقرب من النقطة الحصينة رقم 149.

لم يكن أمام الرجال سوى التنفيذ.

 

أربع ساعات تحت النيران

بدأ إسماعيل ورفاقه المهمة وسط قصف مدفعي وغارات جوية إسرائيلية عنيفة.

أربع ساعات كاملة من العمل المتواصل تحت النيران، حتى تمكن البطل وزملاؤه من إنجاز المهمة وفتح الثغرة المطلوبة في الساتر الترابي.

كانت تلك الساعات الأربع جزءًا من ملحمة أكبر، شارك فيها رجال القوات المسلحة المصرية من مختلف الأسلحة،

كل منهم يؤدي مهمته بدقة، حتى يكتمل مشهد العبور العظيم.

لكن المهمة لم تنتهِ.

 

السابع من أكتوبر.. الزورق في قلب المعركة

في اليوم التالي، السابع من أكتوبر، تلقى إسماعيل وزملاؤه تكليفًا بتنفيذ مهمة جديدة،

وفتح ثغرة أخرى في الساتر الترابي، على مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من الثغرة الأولى.

وأثناء وجودهم في قلب قناة السويس، تعرض الزورق لهجوم جوي إسرائيلي.

وأصيب الزورق بصاروخ من طائرة إسرائيلية، ليتعرض للغرق في قاع القناة، ويستشهد عدد من زملاء إسماعيل الذين كانوا معه.

أما إسماعيل، فأصيب إصابة بالغة أعلى عينه، ونزف بشدة، لكنه تمكن من الوصول إلى الضفة الغربية.

وهناك، جرى نقله إلى خيمة العيادة الميدانية، حيث تلقى الإسعافات الأولية اللازمة.

 

بطولة لا تُقاس بالكلمات

لم تكن بطولة إسماعيل بيومي مجرد لحظة عابرة في حرب أكتوبر، وإنما كانت نموذجًا لما قدمه رجال القوات المسلحة المصرية خلال تلك الحرب.

فوراء كل دبابة عبرت القناة، وكل جندي وصل إلى الضفة الشرقية،

وكل موقع تم اقتحامه، كانت هناك منظومة كاملة من الرجال الذين عملوا تحت النيران، وواجهوا الموت من أجل تنفيذ المهمة.

وكان رجال سلاح المهندسين في مقدمة هؤلاء؛ فتحوا الثغرات، وأقاموا الكباري، ومهدوا الطرق، وأزالوا العوائق، ومهدوا الطريق أمام قوات العبور.

والبطل إسماعيل بيومي واحد من هؤلاء الرجال الذين لم يبحثوا عن البطولة، وإنما وجدوا أنفسهم في قلبها عندما حانت لحظة استرداد الأرض.

 

ذاكرة أكتوبر لا تموت

إن لقاء الأبطال الذين شاركوا في حرب أكتوبر ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي، وإنما هو حفاظ على ذاكرة وطنية يجب أن تعرفها الأجيال الجديدة.

فالتاريخ لا يُكتب فقط في كتب المدارس، بل يُحفظ أيضًا في شهادات الرجال الذين عاشوا الأحداث، وعبروا النيران، ودفع بعضهم حياته ثمنًا للنصر.

 

ويبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على أن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بالإرادة والتخطيط والتدريب والإيمان بالمهمة.

تحية إلى أبطال حرب أكتوبر..

تحية إلى شهداء مصر..

وتحية إلى كل مقاتل حمل سلاحه يومًا دفاعًا عن أرض الوطن.

بقلم: المؤرخ العسكري

د. أحمد علي عطية الله



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *