حين تتحول المنصات إلى أسواق للمشاهدات.. هل أصبح المحتوى الهابط خطرًا يهدد قيم المجتمع؟
بقلم: الإعلامية الدكتورة هبه الجزار
لم تعد بعض البثوث المباشرة على منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه أو مساحة لصناعة المحتوى، بل تحولت لدى بعض المستخدمين إلى سباق محموم نحو تحقيق المشاهدات والهدايا الرقمية، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم والأخلاق أو جودة المحتوى.
ومع اتساع استخدام المنصات الرقمية، أصبح من السهل لأي شخص أن يصل إلى جمهور واسع، وهو ما يعد في حد ذاته فرصة إيجابية لنشر المعرفة والإبداع. لكن في المقابل، استغل البعض هذه المساحة لتقديم محتوى يعتمد على الإثارة أو الجدل أو ما يراه كثيرون خروجًا عن الذوق العام، بهدف زيادة التفاعل وتحقيق مكاسب مادية.
هل المشكلة في صناع المحتوى أم في الجمهور؟
لا يمكن اختزال القضية في صناع المحتوى وحدهم، فكل مشاهدة، أو مشاركة، أو هدية رقمية، تسهم في زيادة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر خوارزميات المنصات. لذلك، فإن الجمهور شريك في تشكيل المشهد الرقمي من خلال ما يختار متابعته ودعمه.
ولو تراجع الإقبال على المحتوى الذي يعتمد على الإثارة أو الابتذال، فمن المرجح أن تقل جدواه الاقتصادية، ويتجه صناع المحتوى إلى تقديم بدائل أكثر قيمة وجاذبية.
تأثير المحتوى الرقمي على الأطفال والمراهقين
تكمن الخطورة الأكبر في وصول هذا المحتوى بسهولة إلى الأطفال والمراهقين، وهي فئة لا تزال في مرحلة بناء الشخصية والقيم.
وقد يترسخ لدى بعضهم تصور خاطئ بأن النجاح أو الشهرة يتحققان عبر إثارة الجدل فقط، وليس من خلال العلم أو الموهبة أو الاجتهاد، وهو ما يجعل تعزيز الثقافة الرقمية والتفكير النقدي أمرًا بالغ الأهمية داخل الأسرة والمدرسة.
الأسرة… خط الدفاع الأول
تبقى الأسرة حجر الأساس في حماية الأبناء، ليس فقط من خلال الرقابة، بل عبر الحوار المستمر، وتعليمهم كيفية استخدام وسائل التواصل بصورة آمنة ومسؤولة، ومساعدتهم على التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الذي يعتمد على الإثارة فقط.
فالهاتف الذكي لا ينبغي أن يكون البديل عن دور الأسرة في التربية والتوجيه.
مسؤولية مشتركة
كما تتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية مسؤولية نشر الوعي، وتشجيع النماذج الإيجابية التي تقدم العلم والثقافة والإبداع، بدلًا من ترك الساحة للمحتوى الذي يعتمد على الضجيج والانتشار السريع.
وفي الوقت نفسه، يقع على عاتق المنصات الرقمية تطبيق سياساتها المتعلقة بالمحتوى، واتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه ما يخالف القوانين أو يستغل القُصَّر أو ينتهك المعايير المعلنة لديها، مع تحقيق التوازن بين حماية المجتمع واحترام حرية التعبير.
حرية التعبير… حق ومسؤولية
تعد حرية التعبير من القيم الأساسية، لكنها تقترن بالمسؤولية واحترام حقوق الآخرين والقوانين المنظمة. ويظل التحدي الحقيقي هو إيجاد التوازن بين إتاحة مساحة للإبداع والتعبير، وبين الحد من المحتوى الذي قد يسبب أضرارًا اجتماعية أو يستغل الفئات الأكثر عرضة للتأثر.
الخلاصة
إن حماية المجتمع لا تبدأ من القوانين وحدها، ولا من الأسرة وحدها، بل من تكامل الأدوار بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمنصات الرقمية، والجهات المختصة، إلى جانب وعي المستخدم نفسه.
فالمعركة الحقيقية اليوم ليست على شاشة هاتف، بل على بناء وعي الأجيال القادمة، وترسيخ قيم تحفز على الإبداع والمعرفة والاحترام، بدلاً من السعي وراء الشهرة بأي وسيلة.


