قانون المسطرة المدنية الجديد بين طموح المشرّع وإكراهات الواقع في المحاكم - النايل نيوز
الجمعة, سبتمبر 4, 2026
الرئيسيةمنوعاتقانون المسطرة المدنية الجديد بين طموح المشرّع وإكراهات الواقع في المحاكم
منوعات

قانون المسطرة المدنية الجديد بين طموح المشرّع وإكراهات الواقع في المحاكم

 

بقلم / الأستاذة لطيفة بوروضا : باحثة قانونية 

 

بعد أزيد من خمسة عقود من العمل بنص ظهير 1974، تعيش المحاكم المغربية،  على وقع تحول تاريخي مع بدء تفعيل قانون المسطرة المدنية الجديد

(القانون رقم 58.25)، حيث يتضح بجلاء حجم الثورة التشريعية التي عرفتها منظومة العدالة في المغرب،

إنه الورش التشريعي الأكبر الذي وضع قطيعة مع خمسة عقود من التدبير التقليدي إلى تحديث القضاء المدني،

والقطع مع بطء التقاضي وتعقيد المساطر، وكما هو شأن كل تغيير بنيوي،  يجد هذا النص الطموح نفسه اليوم، 

في مواجهة مباشرة مع “مخاض” التنزيل وإكراهات الواقع اليومي المعقد داخل ردهات المحاكم.

 

اقرأ دليل السفر

 

و تأسيسا على ما سبق، يظهر جليا أن المشرع المغربي يطمح من هذه التعديلات ، الى إحداث قفزة نوعية في منظومة العدالة،

غير ان هذا الطموح الرقمي الواعد يصطدم اليوم بمخاض التنزيل العملي، وإكراهات الواقع داخل المحاكم،

إذ يضع التباين الواضح بين طموح النص وعوائق الممارسة الترسانة القانونية الجديدة،  أمام محك حقيقي تتداخل فيه معيقات لوجستية وبشرية وتقنية تستوجب التفكيك.

 

أولا : طموح المشرع نحو عدالة رقمية وسريعة

 

لقد جاء القانون الجديد برؤية تحديث واضحة تروم ملاءمة القوانين الإجرائية ، مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، 

ومواكبة التوجهات الملكية السامية الداعية إلى إصلاح شامل وعميق لمنظومة العدالة،  ويتجلى طموح المشرع في مرتكزين أساسيين:

 

العدالة الرقمية : استطاع المشرع نقل اجراءات الخصومة المدنية ، من الطابع المادي إلى البيئة الافتراضية عبر مقتضيات قانونية ملزمة.

 

التأسيس القانوني اللامادي: سمحت المادة 623 بإنجاز كل مساطر التقاضي ، والطعون والتنفيذ بطرق إلكترونية.

 

حجية المقررات الإلكترونية: فرضت المادة 632 تحرير وتوقيع الأحكام إلكترونيا ، من القاضي وكاتب الضبط وتتاح النسخ للأطراف عبر منصات محمية.

 

-حل معضلة التبليغ: تم إقرار التبليغ الإلكتروني، حيث اعتبر القانون الحسابات المهنية للمحامين،  وعناوين أشخاص القانون العام مرجعا رسميا إلزاميا للتوصل.

 

-المحكمة عن بعد: تنظيم عقد جلسات إلكترونية افتراضية ، بشكل قانوني منظم يراعي حقوق الدفاع.

 

-الرقمنة في مرحلة التنفيذ: إحداث منصات رقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع الإجراءات، فتح أيضا الباب للبيع بالمزاد العلني إلكترونيا.

 

النجاعة القضائية وتسريع الزمن القضائي:

يظهر جليا أن المشرع المغربي يطمح من خلال قانون المسطرة المدنية الجديد الى إحداث ثورة مفاهيم قوامها النجاعة القضائية،

إذ لم يعد الهدف مجرد فصل تقليدي في الخصومات بل تقديم قضاء سريع ذكي وبأقل تكلفة وزمن ممكنين، فجاء بآليات تتوخى الفعالية الإجرائية، 

وتتجاوز العقم الإجرائي والتقصير الذي كان يعيب النص القديم لسنة 1974 ومن أبرزها:

 

-الحساب الالكتروني المهني :إجبارية توفر المهنيين (محامين،خبراء،مفوضين) على حسابات رقمية للتواصل مع المحكمة.

 

* المنصات الرقمية الرسمية: إيداع المقالات والمذكرات وتبادل الوثائق ، عبر منصات مخصصة ودون حاجة للتنقل المادي.

 

-النسخة الإلكترونية للأحكام : تيسير الحصول على نسخ الأحكام والقرارات القضائية بصيغ رقمية موثوقة وموقعة إلكترونيا.

 

اختصار الزمن القضائي:

 

وذلك باعتماد التبليغ والتنفيذ الإلكتروني الفوري ، وتقليص وتوحيد الآجال ، إضافة إلى مأسسة التقاضي عن بعد عبر تقنيات الاتصال السمعي البصري، 

في قضايا معينة لتوفير الجهد والوقت، تبسيط مساطر الاختصاص النوعي والقيمي،  وعقلنة الطعون وسقف الاختصاص والتصدي للمطالبة وسوء النية.

 

فإذا كان المشرع امتلك رؤية استشرافية طموحة في صياغة معالم العدالة الرقمية،  غير أن هذا الطموح التشريعي النظري على جودته يصطدم بعوارض التطبيق الميداني ،

على أرض الواقع بجملة من التحديات اللوجستية والبشرية التي قد تبطىء من جني ثمار هذا الإصلاح.

 

ثانيا : إكراهات الواقع ومخاض التنزيل:

 

يواجه تنزيل قانون المسطرة المدنية الجديد رقم (58.25)، والذي دخل حيز التنفيذ في 24 غشت 2026،

مجموعة من الاكراهات والمعيقات التي تثير نقاشا واسعا بين الفاعلين القضائين، ويمكن تصنيف هذه الاكراهات الى مايلي:

 

إكراهات هيكلة وتقنية: فالتفعيل الأمثل للنصوص القانونية المستحدثة ،

يرتبط بمدى جاهزية البيئة الحاضنة لها مما يضعنا أمام تحديات تتعلق بالإكراهات التالية:

 

-تأهيل المحاكم: حيث تفتقر العديد من المحاكم الى البنية التحتية الرقمية اللازمة لمواجهة الورش التشريعي الجديد.

 

*التكوين والتدريب:ضعف التكوين المستمر لبعض الموارد البشرية(جهاز كتابة الضبط والمهنيين).

 

المعيقات الرقمية والمنصات الإلكترونية:

 

حيث نجد تحديات مرتبطة باستقرار المنصات الرقمية الخاصة بالتبليغ والتنفيذ الإلكتروني والولوج إليها،

ناهيك عن الأمية الرقمية وتفاوت القدرة على التعامل مع الوسائل الرقمية بين المتقاضين وبعض مساعدي القضاء،

بالإضافة إلى إشكاليات تأمين البيانات الشخصية وحرية الوثائق الرقمية في ظل غياب نص تنظيمي مكمل لبعض الجزئيات.

 

إكراهات قانونية وضمانات حقوقية:

 

تبلورت الإكراهات القانونية في شكل مقتضيات إجرائية صارمة، ورغم أن هدفها الأساسي،  هو تسريع وثيرة العدالة وتحقيق ” النجاعة القضائية”،

إلا أنها أثارت نقاشا واسعا حول الصعوبات والقيود التي تفرضها على أرض الواقع،  وتتجلى هذه الإكراهات فيما يلي:

 

* التوازن بين السرعة والعدالة: الخوف من تأثر جودة الأحكام وحقوق الدفاع ( مثال الآجال القصيرة الجديدة للتبليغ).

 

-تنزيل المقتضيات الانتقالية: صعوبة الفصل في القضايا الجارية التي بدأت في ظل القانون القديم وكيفية تطبيق المقتضيات الجديدة عليها.

 

-مبدأ حسن النية: غموض معايير إثبات “التقاضي الكيدي” المادة 10 ، وتفادي تحوله إلى عائق يحرم المواطن من حق الولوج إلى القضاء.

 

في الختام يتضح جليا بأن نجاح ورش ورقمنة المحاكم المغربية،  في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد لا يتوقف على جودة النصوص، 

والترسانة القانونية فحسب، بل يظل رهينا بمدى توفير بنية تحتية تقني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *