رواية القرن الحادي والعشرين
من “هيبا” إلى “المُنفرد”… عبقرية يوسف زيدان في تشريح الإنسان لا التاريخ
مقال نقد أدبي
بقلم الباحث والكاتب: أشرف بن ماضي
عندما تقرأ يوسف زيدان لا تقرأ روائياً. أنت تقف أمام جراح يمسك بالمشرط، لا ليكتب حكاية، بل ليفتح الجسد الإنساني ويُريك ما بداخله.
بعد “عزازيل” التي ناقشت السلطة الدينية، وبعد سنوات من الاشتغال في التراث،
يعود البروفيسور زيدان في “المُنفرد ونساؤه الساحرات” ليتجه إلى موضوع أعمق: الذات.
هنا تكمن عبقريته. لم يكرر نفسه. بل انتقل من سؤال “العالم” إلى سؤال “الأنا”.
أولاً: عبقرية السؤال… من الملحمة إلى الأنطولوجيا
معظم الروائيين يسألون: ماذا حدث؟
زيدان يسأل: لماذا أنا هنا؟
في “عزازيل” كان السؤال كونياً وتاريخياً: ما علاقة الإنسان بالله والسلطة والدم؟
في “المُنفرد” انكمش السؤال حتى صار نقطة في القلب: من أنا خارج عيون الآخرين؟
هذه نقلة مهمة. لأن الإجابة عن سؤال “من أنا” أصعب كثيراً من الإجابة عن سؤال “ما هو الدين”.
زيدان لم يهرب إلى السهل. ذهب إلى العمق.
بدأ روايته بجملة: “لا أميلُ إلى الكلام عن أمي… لكنها أولى النساء في حياتي”.
هنا أعلن أن الرواية كلها ستكون بحثاً في “المرآة الأولى”. الأم. الأصل. المنبع.
ثانياً: عبقرية البنية… مفارقة الاختيار
عنوان الرواية وحده بحث فلسفي كامل. “المُنفرد ونساؤه الساحرات”
“المُنفرد” اسم فاعل: اختيار. ابتعاد واعٍ عن الجماعة.
“ونساؤه الساحرات” جمع: قدر. انجذاب لا إرادي إلى الآخر.
وتقوم الرواية كلها على هذه المفارقة:
البطل الذي اختار الوحدة ليحفظ ذاته، ينتهي به الأمر “ذائباً في الجموع مهدداً بالاختفاء”.
هذه ليست حبكة فقط. هذه معادلة وجودية للقرن الحادي والعشرين.
نهرب من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي فنضيع فيهم. نعتزل العالم فنضيع في ضجيجه.
زيدان لم يكتب عن بطل… كتب عن الإنسان المعاصر.
ثالثاً: عبقرية الرمز… المرأة ليست امرأة
عند زيدان “النساء الساحرات” لسن شخصيات فقط. هن وظائف فكرية.
كل امرأة في حياة “المُنفرد” هي مرآة لمرحلة عمرية، ومرآة لسؤال وجودي:
1. الأم: مرآة الأصل والهوية
2. العشيقة: مرآة الجسد والرغبة
3. الزوجة: مرآة العقد الاجتماعي
4. الغريبة: مرآة الاحتمال الضائع
السحر هنا ليس شعوذة. السحر عند زيدان هو “المعرفة المحرمة”. القدرة على تشكيلنا وإعادة تركيبنا.
وكما كان “السحر” في “عزازيل” هو سحر السلطة، صار في “المُنفرد” هو سحر الآخر الذي نرى فيه أنفسنا.
هذه عودة بالمرأة إلى مقامها الرمزي. ليست موضوع رغبة فقط، بل موضوع معرفة.
رابعاً: عبقرية اللغة… لغة الأستاذ لا الروائي
لغة زيدان لا تُقرأ فقط. تُدرس.
هي مزيج من 3 لغات لا يجتمعون إلا عنده:
1. لغة المؤرخ: التواريخ والحوادث والإسقاطات الدقيقة.
2. لغة الفيلسوف: جملة واحدة تساوي فصل تأمل. “الذات لا تكتمل إلا بانعكاسها”.
3. لغة الروائي: سرد مشحون بالذاكرة والجسد والاعتراف.
النتيجة؟ رواية تثير العقل. لا تمنحك تسلية فقط، تمنحك وعياً. وهذا هو تعريف الأدب الجاد.
خامساً: عبقرية الجرأة… مقاربة المناطق الحساسة بلا ابتذال
أهم ما في زيدان أنه يقارب المناطق الحساسة ولا يسقط في الابتذال.
يبدأ بالأم. يتحدث عن الجسد والذاكرة والعلاقات والخوف. لكنه لا يسقط في الإسفاف ولا في الوعظ.
لماذا؟ لأن هدفه ليس الإثارة. هدفه أن يجبرك على النظر في المرآة.
هذه هي جرأة المفكر الحقيقي. لا يخشى أن يسأل: ماذا لو كانت بعض علاقاتنا هروباً من مواجهة أنفسنا؟
سادساً: عبقرية الزمن… الذاكرة كسرد
زيدان لا يحكي بالترتيب. هو يحفر في الذاكرة.
الزمن في “المُنفرد” ليس خطياً. هو دائري. كل امرأة تعيد البطل إلى نقطة البداية: سؤال “من أنا؟”
وهذه مهارة. لأن الإنسان في القرن الحادي والعشرين يعيش بنفس الطريقة:
الماضي يطارده على الهاتف، والحاضر يضغطه، والمستقبل يقلقه. فصار الزمن عنده كومة ذكريات لا خط حياة.
سابعاً: عبقرية النهاية المفتوحة… الاختفاء كاحتمال
أغلب الروايات تعطيك نهاية حاسمة. زيدان يترك “احتمال اختفاء”.
وهذا هو القلق الحقيقي. لأن جيلنا يخاف من أمرين: أن يُنسى، أو أن يذوب في الزحام.
زيدان ترك النهاية مفتوحة عن قصد ليقول لك: أنت من ستحدد هل ستختفي أم ستظهر. الرواية مرآة، والقرار قرارك.
ثامناً: من عزازيل إلى المُنفرد… تطور السؤال
“عزازيل” “المُنفرد”
صراع مع السلطة الخارجية صراع مع السلطة الداخلية
البطل يواجه العالم البطل يواجه نفسه
التاريخ هو المسرح الذاكرة هي المسرح
سؤال: ما هو الدين؟ سؤال: من أنا داخل هذا العالم؟
الخلاصة: لماذا زيدان ظاهرة؟
لأن يوسف زيدان لا يكتب لكي “تُسلي وقتك”.
هو يكتب لكي “تفكر في وقتك”.
انتقل من مناقشة السلطة في “عزازيل” إلى مناقشة الذات في “المُنفرد”.
من سؤال “ما هو العالم؟” إلى سؤال “ما هو أنا داخل هذا العالم؟”
“المُنفرد ونساؤه الساحرات” ليست رواية للتسلية فقط.
هي تشخيص لحالة إنسان القرن الحادي والعشرين:
تائه بين عزلة ترهقه، وجموع تبتلعه.
ولذلك أقولها: هذه من أهم روايات القرن الحادي والعشرين.
تحية للبروفيسور يوسف زيدان… الذي لا يمنحنا إجابات جاهزة، بل يمنحنا أسئلة نعيش بها.

