حب مات قبل الولادة
بقلم إبراهيم الطير
كانت تراه كل يوم تقريبا
تراقبه من بعيد كلما غدا أو راح
تعرف خطواته وملامحه وموعد مروره
وتعرف عنه أشياء كثيرة
بينما هو لا يعرف عنها شيئا
كانت تحبه في صمت
حبا لم تطلب منه شيئا
ولم تنتظر منه وعدا
كانت فقط تكتفي بأن تراه
وكان فقط يمنعها عن الاعتراف بحبها مرض عضال بالقلب
فما كانت تدري أستعيش ويعيش الحب أم ستفارق الحياة
ومرت الأيام
وفي يوم لم تعد قادرة على الاحتفاظ بهذا الحب داخلها
تجرأت واتصلت به
جاء صوته من الطرف الآخر
ـ ألو
ترددت قليلا ثم قالت
ـ أنا ليلى
كانت البداية بسيطة
لكنها كانت بداية حكاية لم يعرف أي منهما إلى أين ستأخذه
تحدثا كثيرا عبر الهاتف
في البداية كان الحديث عابرا
ثم أصبح أطول
ثم صار كل منهما ينتظر صوت الآخر
اعترفت له بحبها
ولم يحتج هو إلى وقت طويل حتى أحبها هو الآخر
كان حبا غريبا
لم تلتق فيه عين بعين
ولم تجلس فيه روح بجوار روح
لكن القلب لا يحتاج دائما إلى لقاء كي يحب
كان صوتها يكفيه
وكان صوته يكفيها
انقطع اتصالها مرة واحدة
لم تعد ترن في مواعيدها
خفق قلبه وقال في نفسه
أهناك شيء لم تعد كعادتها؟
تجرأ واتصل عليها
فلم ترد
قال ربما لم تسمع
اتصل مرة ثانية
فلم ترد أيضا
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه
اتصل للمرة الثالثة
وظل الهاتف يرن
وأخيرا جاء الرد
لكن الصوت لم يكن صوت ليلى
ـ من تريد؟
قال بسرعة
ـ ليلى
صمتت المرأة قليلا ثم سألت
ـ أأنت بسام؟
ـ نعم
وفجأة سمع بكاءها
قال بقلق
ـ ماذا حدث؟
قالت له لقد حكت لي أختي عنك كثيرا
ثم جاءه صوتها مكسورا
ـ ليلى فارقت الحياة
تجمدت الكلمات في حلقه
لم يفهم
أو ربما فهم لكنه رفض أن يصدق
قال بصوت مرتجف
ـ ماذا تقولين؟
قالت
ـ لقد فارقت الحياة
وتركت لك شيئا مكتوبا
ثم أخبرته أنها ستتركه له عند أقرب مكان يمكنه الوصول إليه
لم ينم تلك الليلة
كان يجلس وحده
يمسك هاتفه
يعيد قراءة رسائلها القديمة
ويستمع إلى صوتها المسجل
كأنه يحاول أن ينتزع منها دقيقة أخرى
كان يسأل نفسه
كيف يمكن لإنسان أن يموت
قبل أن يلتقي بمن أحبه؟
وفي اليوم التالي ذهب إلى المكان الذي أخبرته عنه أختها
وجد المكتوب
أمسكه طويلا قبل أن يفتحه
كانت يده ترتجف
فتح الورقة
وكانت الكلمات قليلة
لكنها كانت أثقل من قلبه كله
«لن أقول لك شيئا
غير أني أحبك كثيرا»
توقف عن القراءة
ثم أعادها مرة ثانية
وثالثة
وانهمرت دموعه
ضم الورقة إلى صدره
كأنه يضمها هي
ثم اتصل بأختها
ـ أين مقبرتها؟
لم تجبه
اتصل مرة أخرى
ـ أين دفنت ليلى؟
لا رد
ظل يحاول
لكن الهاتف ظل صامتا
ومنذ ذلك اليوم
تغير بسام
أصبح يذهب إلى المقابر
يجوب طرقاتها طويلا
ينظر إلى شواهد القبور
ويبحث بين الأسماء عن اسمها
كان يعرف أنها رحلت
لكنه لم يكن يعرف أين رحلت
وكان يؤلمه أكثر
أنه أحبها دون أن يراها
وفقدها دون أن يودعها
وفي كل مرة يدخل فيها المقابر
كان يتوقف بين القبور
يغلق عينيه
ويقول في نفسه
ليلى
ربما تكونين هنا
ثم يمضي
وما زال حتى الآن
يجوب بين طرقات المقابر
يبحث عن رائحتها
عن قبرها
عن مكان يضع فيه وردة
وعن فرصة أخيرة ليقول لها ما لم يستطع قوله وهي حية
لقد أحبها
لكن حبه هذه المرة
لم يبدأ بلقاء
ولم ينته بوداع
لقد مات قبل أن يولد
ولهذا بقي اسمه عالقا في قلبه
حب مات قبل الولادة

