الغروب ذهب أسود.. حين يتحول الفقد إلى اكتشاف للذات
السبت, أغسطس 22, 2026
الرئيسيةمنوعاتالغُرُوبُ… ذَهَبٌ أَسْوَد
منوعات

الغُرُوبُ… ذَهَبٌ أَسْوَد

الغُرُوبُ… ذَهَبٌ أَسْوَد

 

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

لم تسقط الشمس تلك الليلة.
ولم ينطفئ لون السماء.
أنا الذي سقطت.
أنا الذي أظلمت.

انسحب مني الدفء بهدوء اللص الذي يعرف أماكن الكنوز.
من بين أصابعي، من كتفي، من فنجان تُرك نصفه ممتلئًا،
ومن اسمٍ كان يكفي وحده لإضاءة غرفة… ثم غادر دون أن يعتذر.

حينها فقط فهمت:
من قال إن الشمس تغرب في الغرب؟
أحيانًا تغرب من صدرٍ كان مليئًا بك.
وأحيانًا تغيب من وجه حبيب.
أو من ضحكة ابنٍ كبر فجأة.
أو من صوت أمٍّ لم يعد يأتي من الغرفة المجاورة.
أو من كتف أبٍ كان يكفي وحده ليجعل العالم أقل قسوة.

وأحيانًا… تغيب الشمس وأنت لا تعرف من الذي غاب.
تبحث في المرآة، فتجد وجهك.
تبحث في قلبك، فتجد حفرة.

ثم تسمع شيئًا يطرق من الداخل.
ليس بابًا.
عضوًا من جسدك.

عندها فقط فهمت:
أن الإنسان حين يفقد من يحب، لا يبكي بعينيه وحدهما.
جسده كله يدخل الحداد.
القلب يتيم. العين تبحث. اليد تتذكر.
الكتف ينتظر. الأذن تسمع من رحلوا.
اللسان يندم على كلمات قال لها: “غدًا.”
والقدمان… لا تعرفان إلى أين تمشيان،
حين يرحل من كان الطريق يؤدي إليه.

وهكذا، في تلك الليلة، لم أجلس وحدي.
جلست حولي أعضائي.
كل عضو يحمل شمسًا غابت.

١. القلب: مقبرة المصابيح
تكلم أولًا. بثلاث طرقات بطيئة.
قال: — أريد أن أعرف إلى أين ذهبت الشمس.
ضحكت. قلت: — الشمس لا تسكن القلب.
فقال: — كلما أحببتُ أحدًا، علّقتُ في داخلي مصباحًا باسمه.
وحين يرحل، لا ينطفئ المصباح… بل يتحول إلى جرح.

عندها فهمت أن القلب لا يحتفظ بمن نحبهم.
إنه يحتفظ بأماكنهم.
ولهذا قد يموت شخص، ويبقى كرسيه في القلب أكثر حياةً منه.

٢. العينان: باحثتان عن الغائبين
قالت اليمنى: — أنا تعبت.
وقالت اليسرى: — وأنا أكثر.
سألتهما: — من ماذا؟
قالتا معًا: — من البحث عن الذين غابوا في الوجوه التي تشبههم.

كانتا تفتشان في الشوارع عن وجه حبيب.
وفي المطار عن ابن تأخر.
وفي الباب عن أب لن يعود.
وفي الهاتف عن اسم لم يعد يظهر.

ثم قالت إحداهما: — نحن لا نبكي لأن الغائب رحل.
قلت: — فلماذا؟
قالت: — لأننا ما زلنا نراه.

٣. اليد: ذاكرة اللمس
صرخت حين حاولت أن أمسح دموعي.
قالت: — اتركني.
قلت: — ولماذا؟
قالت: — لأنني تعبت من مدّ نفسي إلى الغائبين.

فتحت أصابعها. كان بينها شيء لا يُرى.
— هنا كان شعر طفلك.
— وهنا كانت يد أمك.
— وهنا كانت يد من أحببت.
قلت: — لكنهم ذهبوا.
قالت: — لهذا السبب تحديدًا ما زلت أمدُّ أصابعي.
فاليد لا تعرف أن الغياب قرار.

٤. الكتف: ميزان الغياب
كان أكثرهم صمتًا. قال:
— هل تعرف لماذا أشعر بالثقل؟
قلت: — لا.
قال: — لأن الذين كانوا يضعون رؤوسهم عليَّ لم يعودوا هنا.

فهمت أن بعض الأحمال ليست أثقالًا.
بعضها غيابٌ له وزن.
رأس الحبيب. رأس الابن. رأس الأب. رأس الأم.
وحين تغيب… يظل الكتف مائلًا نحو مكانها.
كأن الجسد نفسه لا يصدق الرحيل.

٥. الأذن واللسان والقدمان والجلد
الأذن قالت: — اسكت. إني أسمع كل الذين غابوا.
ضحكة قديمة. صوت مفتاح. “خد بالك من نفسك”.
فهمت أن الغياب لا يمحو الأصوات. يحررها.

اللسان قال غاضبًا: — أنا ظُلمت.
قلت “غدًا” حين كان يجب أن أقول “الآن”.
بعض الكلمات تعيش فينا… كعقوبة.

القدمان قالتا: — لا نريد أن نمشي.
إلى أين نمشي بعدما يرحل من كان الطريق يؤدي إليه؟

الجلد همس: — أنا أحتفظ بكل شيء.
بالحضن الذي انتهى. بالقُبلة التي لم تعد.
اللمسة لا تمر… اللمسة تسكن.

٦. الحفر في العتمة
جاء الليل. جلست أمامي العتمة.
لم تكن قاضيًا. كانت حفّارًا.
قالت: — أعطني يديك. سنحفر.
قلت: — أين؟
أشارت إلى صدري. — هنا.

حفرت.
وجدت اسمًا. صورة. يدًا صغيرة. صوتًا. حضنًا. بيتًا.
ثم… وجدت نفسي.

حينها فهمت معنى الغروب:
أن يغادر شخصٌ حياتك، فيأخذ معه نسخةً منك كانت حية بقربه.
حين يغيب الحبيب يموت عاشق.
وحين يغيب الابن يموت أب صغير.
وحين تغيب الأم… يفقد العالم عنوانه الأول.

لكن الألم ليس دائمًا عدوًا.
أحيانًا يخلع عن الروح طبقاتها القديمة.
وهناك، حيث تختلط الدموع بالتراب…
يظهر شيء لا تراه العين بسهولة.
نورٌ أسود.

نور لا يضيء الطريق أمامك…
بل يكشف لك الطريق الذي كان مختبئًا في داخلك.

الخاتمة: الشروق قرار
عند الفجر انتظرت الشمس. لم تأتِ.
ثم فهمت أن الشروق أحيانًا يكون قرارًا.
أن تقول: سأكمل.
أن تسامح دون أن تعود.
أن تفقد شخصًا دون أن تفقد نفسك معه.

تكلم قلبي آخر مرة: — لا تبحث عن الذين ذهبوا في الخارج.
قلت: — أين أبحث؟
قال: — فيَّ.
وقالت العين واليد والكتف والأذن واللسان والقدم: — وفينا.

لأول مرة شعرت أن جسدي مدينة.
وفي وسطها نافذة مفتوحة.
يدخل منها خيط ضوء.

منذ ذلك اليوم لم أعد أخاف الغروب.
لأنني عرفت أن الحفرة ليست دائمًا نقصًا.
أحيانًا تكون بابًا إلى الداخل.

احفر في خسارتك. في خوفك. في حبك القديم.
فربما تجد تحتها قلبًا لم يمت.

لذلك… لا تسأل الغروب: ماذا أخذت مني؟
اسأله السؤال الأصعب: ماذا أجبرتني على اكتشافه؟

واترك النافذة مفتوحة.
فليس كل ما غرب… انتهى.
بعضه فقط… ذهب إلى الداخل.
ليعود يومًا… شروقًا من نوع آخر.

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *