عالم آخر موازٍ..
✍️ بقلم / د. سامي حامد
في خضم هذا العالم الصاخب، الذي تتسارع فيه الأيام حتى يكاد الإنسان يفقد القدرة على اللحاق بها،
نشأت في السنوات الأخيرة ملامح عالمٍ آخر… عالمٌ موازٍ، له ساعاته الخاصة، ولغته الخاصة، وملامحه التي تبدو أحيانًا وكأنها منفصلة عن إيقاع الحياة التي اعتدناها.
هناك من اختار أن يقلب عقارب يومه؛ ينام حين تستيقظ المدينة، ويستيقظ حين تخفت الأصوات وتغلق المحال أبوابها.
الليل بالنسبة إليه ليس سكونًا، بل مساحة للحركة والظهور، بينما النهار وقتٌ للنوم والابتعاد عن الناس.
ومع الوقت يصبح هذا النمط حياةً كاملة، لا مجرد عادة عابرة.
وفي هذا العالم الموازي تبدلت أشياء كثيرة؛ حتى مفهوم المظهر لم يعد كما كان.
ملابس غريبة، وأزياء ممزقة عمدًا، ومظاهر تحاول تقليد أنماط بعيدة عن البيئة والثقافة،
وكأن بعض الناس لم يعودوا يبحثون عن شخصيتهم، وإنما عن صورة تمنحهم شعورًا بالاختلاف ولو كان الاختلاف هو الغاية وحدها.
أما اللغة، فقد أصابها هي الأخرى شيء من التحول. كلمات مبتورة، وعبارات هزيلة، ومصطلحات دخيلة، وألفاظ تفتقر أحيانًا إلى الذوق والاحترام.
أصبح بعض الكلام مجرد أصوات تتردد في فضاء رقمي مزدحم، لا يحمل فكرةً حقيقية ولا يترك أثرًا سوى الضجيج.
وليس المقصود هنا أن نحاكم إنسانًا بسبب ثوبه أو مواعيد نومه، فلكل إنسان ظروفه وخياراته، وليس الاختلاف في ذاته عيبًا.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاختلاف قطيعةً مع كل قيمة، وحين يتحول البحث عن الذات إلى فقدان للذات، وحين تصبح الجرأة مرادفًا للفظاظة، والحرية مرادفًا لغياب الحدود.
لقد صنعت التكنولوجيا عالمًا مفتوحًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يغادر غرفته كي يعيش بين آلاف البشر.
شاشة صغيرة أصبحت نافذةً إلى مجتمعات كاملة، ومعها نشأت لغة جديدة، وأزياء جديدة، وأفكار جديدة، ومقاييس جديدة للشهرة والقبول.
وأصبح بعض الشباب يعيشون في فضاء افتراضي أكثر مما يعيشون في واقعهم.
والأخطر أن الإنسان قد يعتاد هذا العالم حتى ينسى أن له عالمًا آخر يحتاج إليه؛ عالم الأسرة، والعمل، والعلم، والاحترام، والمسؤولية، والوقت المنظم، والكلمة الطيبة.
إن الحضارة لا تقاس بمدى قدرتنا على كسر المألوف، وإنما بقدرتنا على أن نكون مختلفين دون أن نفقد إنسانيتنا.
وليس كل جديد تقدمًا، كما أن كل قديم ليس تخلفًا. هناك أشياء تتغير لأنها يجب أن تتغير، وأشياء أخرى ينبغي أن تبقى لأنها تشكل جوهر الإنسان.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نسأل أنفسنا: هل نحن نعيش في عالم جديد فعلًا، أم أننا أنشأنا عالمًا موازيًا نهرب إليه من عالمنا الحقيقي؟
فالحياة ليست مجرد ساعات نقضيها مستيقظين، ولا ملابس نرتديها، ولا كلمات ننطقها. الحياة موقف، وقيمة، وهدف، وأثر.
وقد يختار الإنسان أن يعيش في عالمٍ آخر موازي، لكن عليه ألا ينسى أن العالم الحقيقي سيظل ينتظره…
وأن الإنسان، مهما ابتعد، لا يستطيع أن يهرب إلى الأبد من السؤال الأهم:
ماذا صنعت بحياتك، وبماذا سيذكرك الذين عرفوك؟


