*لقاء طهران: هل تنتهي حرب اليمن من الباب الإيراني؟*
_تحليل: أشرف بن ماضي الشعراني الكاتب الصحفي والباحث من القاهرة_
لأول مرة منذ اندلاع الحرب في عام 2015، يجلس ممثلون عن صنعاء ومسؤولون سعوديون على طاولة واحدة في طهران. بعيدا عن الرياض ومسقط وجنيف. المشهد نفسه يحمل رسائل أكبر من محتوى اللقاء.
الوساطة إيرانية بغطاء صيني بعد اتفاق بكين عام 2023، والمكان مختار بعناية. فهل هذا اللقاء بداية نهاية الحرب، أم مجرد هدنة جديدة؟
*أولا: أهداف كل طرف من الجلوس في طهران*
*1. السعودية: الخروج الآمن وتأمين الحدود*
هدف الرياض لم يعد “الحسم العسكري”. بعد تسع سنوات من الاستنزاف والتكلفة الاقتصادية والبشرية، أصبحت الأولوية هي:
– *أمن الحدود الجنوبية*: وقف الصواريخ والطائرات المسيرة للحوثيين على جيزان ونجران وعسير.
– *فك الارتباط*: إدارة الملف اليمني بشكل ثنائي مباشر مع الطرف المسيطر على الأرض، لتقليل الكلفة السياسية.
– *إعادة التموضع*: التفرغ لملفات رؤية 2030 والعلاقة مع إيران والصين، بدلا من الانغماس في حرب استنزاف.
السعودية تريد “اتفاق سلام بارد” حتى لو لم يشمل جميع الأطراف اليمنية.
*2. الحوثيون “أنصار الله”: الاعتراف والشرعية والرواتب*
صنعاء تدرك أنها الطرف الأقوى عسكريا على الأرض. أهدافها:
– *اعتراف إقليمي ودولي*: الانتقال من وصف “ميليشيا” إلى “سلطة أمر واقع” يتم التفاوض معها مباشرة.
– *ملفات إنسانية واقتصادية*: صرف المرتبات من إيرادات النفط، وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة دون قيود.
– *مكاسب سياسية*: إخراج القوات الأجنبية من اليمن، وضمان عدم العودة إلى الحرب بعد توقيع الهدنة.
اللقاء في طهران يمنحهم شرعية إقليمية بأنهم “دولة تتفاوض مع دولة”.
*3. إيران: تثبيت النفوذ بأقل تكلفة*
طهران لا تريد هزيمة الحوثيين ولا انتصارهم الكامل. تريد:
– *ورقة ضغط إقليمية*: إثبات أن أي أمن خليجي يمر عبر طهران.
– *تخفيف العقوبات*: تقديم نفسها كصانع سلام مقابل ملفها النووي.
– *حليف مستقر*: يمن مستقر لكن ضعيف ومرتبط بها، يستنزف السعودية دون حرب مباشرة.
*4. الحكومة الشرعية “شرعية الفنادق”*
ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي ومقيمة في الرياض وعدن.
– *هدفها*: العودة إلى السلطة، وتطبيق المرجعيات الثلاث، وعدم تجاوزها في أي اتفاق.
– *مخاوفها*: أن يتحول اللقاء الثنائي إلى اتفاق “سعودي حوثي” يلغي دورها، كما حدث في لبنان مع اتفاق الطائف.
*ثانيا: مبادرات بديلة – دور مصر وسلطنة عمان*
إلى جانب مسار طهران، كانت هناك مبادرة سابقة طرحها الفريق سلطان السامعي عضو مجلس القيادة الرئاسي، ودعا فيها إلى تدخل مباشر من *مصر وسلطنة عمان* لرعاية الحوار اليمني.
واستند السامعي في مبادرته إلى الحكمة المصرية وتاريخها في احتضان القضايا العربية، لاسيما أن مصر تمثل الثقل العربي المؤثر، وأن أكثر من ثلاثة ملايين يمني يقيمون في مصر منذ بداية الحرب.
منطق المبادرة يقوم على أن القاهرة ومسقط لهما رصيد ثقة لدى جميع الأطراف، وموقعهما الجغرافي والسياسي يؤهلهما لتقديم مخرج يحفظ وحدة اليمن ويجنبه أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لكن هذه المبادرة لم تجد طريقها إلى التنفيذ عمليا في ظل تسارع المسار السعودي الحوثي المباشر بوساطة إيرانية.
*ثالثا: متغيرات إقليمية وتقليص الدور الإماراتي*
في سياق التحولات الأخيرة برز عامل إضافي تمثل في تراجع الدور الإماراتي الميداني والسياسي في اليمن. ويربط مراقبون ذلك بخروج الإمارات من المشهد بعد المخط الذي كان يحاك ضد وحدة واستقرار السعودية خاصة إنشاء قاعدة إسرائيلية في الجنوب للسيطرة على البحر الأحمر وباب المندب ومحاصرة السعودية كما ذكر الإعلام. وكذلك منع وصول مليشيا الجنجويد إلى بورتسودان لعمل قاعدة أخرى.
ويعز هذا التوجه ما تم تداوله من تصريح منسوب إلى قيادي يمني بأن الإمارات طلبت من حكومة صنعاء ضرب مدينة نيوم السعودية مقابل امتيازات ورفع عقوبات واعترافات بحكومة صنعاء.
هذا التطور دفع الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن تفاهمات مباشرة مع صنعاء لتأمين حدودها وتجاوز أي أطراف قد تشكل تهديدا لمصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر.
*رابعا: هل اللقاء فرصة حقيقية للسلام؟*
*نقاط القوة التي تجعله فرصة:*
1. *نضج الطرفين*: السعودية والحوثيون استنزفوا. لا أحد يستطيع الاستمرار.
2. *الغطاء الدولي*: الولايات المتحدة تريد الخروج، والصين وروسيا تدعمان التسوية، والأمم المتحدة ترعى.
3. *الملفات جاهزة*: الهدنة ممددة فعليا منذ سنتين. المتبقي هو تثبيتها وتحويلها إلى اتفاق سياسي.
*نقاط الضعف التي قد تعقده:*
1. *غياب الشرعية*: أي اتفاق دون الحكومة المعترف بها دوليا سيكون ناقصا قانونيا وقد يفجر جبهات جديدة في الجنوب وتعز ومأرب.
2. *الخلاف على “اليوم التالي”*: من يحكم؟ وكيف توزع الثروة؟ وما مصير السلاح؟
3. *دور الإمارات والجنوبيين*: أي اتفاق يتجاهل المجلس الانتقالي والقضية الجنوبية لن يصمد.
*خامسا: الخلاصة – نهاية حرب أم هدنة طويلة؟*
اللقاء في طهران لن ينهي الحرب غدا، لكنه ينهي “مرحلة الحرب المفتوحة”.
السيناريو الأقرب هو *”هدنة استراتيجية”* تتحول إلى اتفاق سلام على مراحل:
– *المرحلة الأولى*: تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح الطرق، وصرف الرواتب.
– *المرحلة الثانية*: حكومة توافقية وتقاسم الموارد.
– *المرحلة الثالثة*: حوار يمني يمني شامل.
أما “شرعية الفنادق” فستواجه خيارين: إما الدخول في التسوية وتقديم تنازلات، أو البقاء خارج المعادلة وفقدان التأثير تدريجيا.
وفي المقابل، فإن إحياء مبادرات عربية مثل مبادرة السامعي بدعم مصري عماني قد يمنح الشرعية غطاء إقليميا ويمنع تحويل اليمن إلى ملف ثنائي فقط.
في النهاية، اليمن لن يحكم من فندق في الرياض ولا من كهف في صعدة فقط. سيحكم من اتفاق يرضي السعودية أمنيا، والحوثيين سياسيا، واليمنيين معيشيا.
السؤال ليس “هل تنتهي الحرب؟” السؤال هو “بأي ثمن ولمن ستكون الغلبة؟”
ما رأيك في إمكانية عودة الدور المصري العماني كضامن للاتفاق إذا تم التوصل إليه في طهران؟

