كيف تنخر الصراعات الطبقية والدينية في عظام المجتمع الإسرائيلي؟
بحث و تحقيق / احمد الجندي – القاهرة
تبدو إسرائيل من الخارج لبعض السطحيين كمجتمع متماسك تدعمه ماكينات الإعلام الغربي وآباطرة الميديا، لكن القراءة المتعمقة في الداخل الإسرائيلي تكشف عن كيان استيطاني هش إلى أبعد الحدود. هو تجمع لمجموعات من المهاجرين وليس مكوناً مجتمعياً طبيعياً؛ كيان يعيش في دوامة الطوارئ وعسكرة المدن منذ نشأته، محاطاً بتناقضات وجودية وصراعات داخلية مكتومة بدأت تطفو على السطح بعنف.
إن أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” والذراع الطولى نسفتها العسكرية المصرية وطحنت عظامها في حرب أكتوبر المجيدة، واليوم تتكفل التناقضات الداخلية بنسف ديمقراطيتهم الزائفة عبر خمسة تصدعات رئيسية تهدد ببداية النهاية.
1. التصدع الطائفي والعنصري: صراع “الأشكناز” و”السفارديم”
يعود جذر الأزمة إلى الفوقية التي يتعامل بها اليهود الأشكناز (ذوو الأصول الأوروبية) تجاه يهود السفارديم (الشرقيين). الأشكناز—الذين أسسوا العصابات الإرهابية عام 1948 ولم يعانوا من معسكرات هتلر بل كانوا مواطنين ميسوري الحال في روسيا وأوروبا—يشكلون الطبقة الثرية الحاكمة.
تجلت هذه العنصرية في مظاهرات شهيرة عندما احتج الآلاف من الأشكناز رفضا لدمج بناتهم البيضاوات مع الطالبات السمراوات من أصول مغاربية وشرقية في المدارس الدينية، مما يعكس عمق التمييز العرقي داخل الكيان.
2. التصدع الديني: معركة “الحريديم” وقانون التجنيد
لا يتوقف الخلاف عند حدود التعددية، بل يمس هوية الدولة. تعتمد الصهيونية على الرموز الدينية كأداة توحيد مؤقتة (مثل الخطين الأزرقين في العلم المستوحيين من رداء الصلاة “الطاليت”)، لكنها تصطدم بالواقع اليوم.
أبرز الأزمات تتجسد في اليهود الأرثوذكس المتشددين (الحريديم) الذين يرفضون الخدمة العسكرية إيماناً بتفرغهم لدراسة التوراة. وعندما قضت المحكمة العليا ببطلان “قانون طال” الذي يعفيهم من التجنيد، اندلعت تظاهرات مليونية وشغب عنيف أغلقت مدن كاملة تحت شعار “الحرب على الدين”. هذا الامتياز يثير غضب الأغلبية العلمانية التي تطالب بـ “المساواة في تحمل الأعباء”، ليكون بأسهم بينهم شديداً.
3. التصدع الجيولوجي السياسي والطبقي
يعيش الكيان استقطاباً حاداً بين يمين متطرف يزداد تشدداً ويسار يتآكل حول قضايا الأمن والموقف من الاستيطان والضفة وغزة، وهو ما يعرف بـ (système de clivages). يتوازى هذا مع فجوة طبقية واقتصادية هائلة بين الأغنياء وسكان بلدات التطوير الفقيرة.
4. قنبلة المهاجرين الأفارقة: اضطهاد “الفلاشا”
يمثل اليهود الإثيوبيون (الفلاشا) والارتريون الطبقة الدنيا المستضعفة؛ حيث يعيش ثلث عائلاتهم تحت خط الفقر ويواجهون وحشية مستمرة من الشرطة.
📊 أرقام تعكس الأزمة: يشكل يهود إثيوبيا نحو 3% فقط من قوام الجيش، لكن الصادق أن نسبة المساجين منهم في السجون العسكرية تتجاوز 11% بسبب الاضطهاد والتعنت المؤسسي ضدهم.
تترجم هذه العنصرية دورياً إلى انفجارات في الشارع، كالمواجهات العنيفة التي شهدها “ميدان رابين” عقب انتشار فيديو يوضح اعتداء شرطي أبيض على جندي إثيوبي، حيث تحولت الاحتجاجات لساحة قتال استخدمت فيها المولوتوف والقنابل الصوتية، وسط إعلام حريدي معادي يصف الأفارقة بأوصاف مهينة.
5.الخلاصة: معضلة الهوية المفقودة
يجمع هذا الكيان شتات مهاجرين أتوا من أكثر من 100 دولة، يتحدثون 50 لغة مختلفة، ويحملون خلفيات ثقافية متضاربة. حتى اليوم، تفشل إسرائيل في الإجابة على السؤال الجوهري: من هو اليهودي؟ وهل هي دولة دينية أم علمانية؟
إن الصراع بين العلمانيين والمتطرفين يراهن فيه كل طرف على سقوط الآخر. وسوف تثبت الأيام والأحداث أن ما ظنه البعض قلاعاً من صخور، ما هي في الحقيقة إلا حصون من ورق، والغلبة دائماً وأبداً لمن يملك الوعي والمعلومات



