بقلم: أشرف بن ماضي الشعراني – الكاتب الصحفي والمحلل السياسي – من القاهرة
الجغرافيا السورية مصلوبة على لوح التوازنات الجديدة. وفي الأزمنة المضطربة لا يكون الخطر في سقوط الأرض وحدها، بل في اعتياد الناس على سقوطها. فالأرض لا تُنتزع دفعة واحدة، وإنما تُقضم تدريجاً، حتى يستيقظ أصحابها على وطن تقلصت حدوده، وتراجعت سيادته، وتبددت هيبته.
*جنوب سوريا: رسالة بالقوة لا بالبيانات*
ما يجري اليوم في جنوب سوريا من توغل إسرائيلي وفرض لأمر واقع جديد ليس مجرد حادث عسكري عابر، بل رسالة سياسية واضحة مفادها: إن من يملك القوة يرسم الخرائط، بينما يكتفي الآخرون ببيانات القلق والاستنكار.
*المزرعة نموذجاً: وجه آخر للمأساة*
وفي المقابل، لا تبدو المأساة مختلفة كثيراً في الداخل السوري. فما جرى في قرية المزرعة بريف حمص الغربي من تهجير لأهلها، وقطع للمياه والكهرباء عنها، تمهيداً لهدم منازلها، يمثل الوجه الآخر للمأساة نفسها.
فالنتيجة واحدة في الحالتين: اقتلاع الإنسان من أرضه، وتجريد المكان من أهله، وتحويل الجغرافيا إلى مساحة خالية من أصحابها الأصليين. قد تختلف الأعلام التي تُرفع فوق الدبابات، لكن المشهد النهائي واحد. ففي الجنوب تُقضم الأرض مباشرة بيد الاحتلال الإسرائيلي، وفي الداخل تُفرض وقائع جديدة بأيدي سلطة الأمر الواقع بقيادة الجولاني. والضحية في الحالتين هي سوريا؛ أرضاً، وشعباً، وذاكرةً، وحقاً تاريخياً في البقاء.
*الصمت الشرعي.. سؤال مشروع*
وإذا كانت هذه الوقائع تستدعي الإدانة، فإنها تستدعي أيضاً مساءلة صريحة للمرجعيات الدينية الشيعية السورية: أين الواجب الشرعي في نصرة المظلوم، وإغاثة المهجر، والدفاع عن المستضعف؟ وأي ظرف استثنائي يمكن أن يبرر هذا الصمت الطويل؟ ماذا تنتظرون؟ وهل أصبح الاكتفاء بالمراقبة موقفاً شرعياً، أم أن النصوص التي طالما دعت إلى نصرة الحق باتت للقراءة فقط دون العمل بها؟
ولا يمكن تجاهل التساؤلات التي تُطرح في الشارع حول تراجع الدور الإيراني في الدفاع عن سوريا عموماً، وعن المجتمعات الشيعية والعلوية خصوصاً. فالمسألة لم تعد تتعلق بالشعارات، بل بالفعل حين تشتد المحن. والتاريخ لا يدون النوايا، وإنما يسجل المواقف.
*هل نحن أمام مسار واحد؟*
ومن هنا يبرز سؤال مشروع يفرض نفسه: هل ما يجري في جنوب سوريا، وما يجري في ريف حمص، مجرد أحداث متفرقة لا رابط بينها؟ أم أننا أمام مسار سياسي وأمني واحد، يتقاطع أو ينسجم مع التفاهمات الإقليمية الجديدة التي أعقبت اتفاق لبنان وإسرائيل؟ ذلك الاتفاق الذي يقدم لبنان ومقاومته كوجبة جاهزة للمفترس الإسرائيلي.
وهل يمكن أن تكون هذه الوقائع تمهيداً لمرحلة إدخال قوات الجولاني إلى لبنان، لذلك يعمل الاحتلال الإسرائيلي على إكمال الطوق في جرود لبنان مع تفريغ مراكز وجيوب تنبض بالمقاومة غربي حمص لقربها من مدينة القصير وكونها مفتاحاً لمدينة طالما حطمت جبروتهم؟ إنها أسئلة تفرضها الوقائع، والإجابة عنها ستكشفها الأيام.
*خاتمة: الحق لا يسقط*
إننا نعيش مرحلة استثنائية، شديدة القسوة والخطورة، تتكاثر فيها أسباب اليأس، ويبدو فيها الباطل أكثر صخباً وقوة. لكن التاريخ، كما السنن الإلهية، يعلمنا أن القوة ليست معيار البقاء، وأن الحق قد يتأخر، لكنه لا يسقط.
وإيماني الراسخ أن حكمة القدر لا تخطئ، وأن الليل مهما طال لا يستطيع أن يلغي الفجر، وأن الباطل مهما تعاظم واتسعت سلطته، يبقى عابراً، بينما الحق هو وحده الذي يملك القدرة على البقاء والانتصار في نهاية المطاف.

